والخامس: وقال الحسن: "ترجع {بإثمي} بقتلك إياي، {وإثمك}، يعني: الكفر الذي كان عليه" (١)؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافرا فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر (٢).
والسادس: وقيل المعنى: {بإثمي}، إن لو قاتلتك وقتلتك، وإثم نفسك في قتالي وقتلي. حكاه ابن عطية، وقال: " وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (٣)، فكأن هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي" (٤).
والسابع: يعني: أن تبوء بإثمي فى خطاياي، وإثمك بقتلك لي، فتبوء بهما جميعاً، وهذا قول مجاهد (٥).
قال ابن كثير: " وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب .... عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قتل الصَّبْر لا يمر بذنب إلا محاه» (٦).
وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العَرَصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطُرِحَت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها" (٧).
والراجح-والله أعلم- أن يقال في تفسير قوله تعالى: : {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: " إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي}، وأما معنى: {وإثمك}، فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه في أعمالٍ سِوَاه، وذلك لإجماع أهل التأويل عليه. لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه. وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه" (٨).
قال ابن كثير: " وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر" (٩).
قوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [المائدة: ٢٩]، أي: " فتكون من أهل النار وملازميها" (١٠).
قال الطبري: أي: " فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها" (١١).
قال المراغي: " أي: فتكون بما حملت من الإثمين من أهل النار فى الآخرة جزاء ظلمك" (١٢).
(١) تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٩٩.
(٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٩٩.
(٣) صحيح البخاري (إيمان باب ٢٢ وفتن باب ١٠) وصحيح مسلم (فتن حديث ١٤ و ١٥) وسنن ابن ماجة (فتن باب ١١).
(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٦): ص ١٠/ ٢١٦.
(٦) مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب".
(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٧ - ٨٨.
(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٩) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٨.
(١٠) التفسير الميسر: ١١٢.
(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٧.
(١٢) تفسير المراغي: ٦/ ٩٩.