الثاني: لأن هابيل تقرب بخيار ماله فَتُقُبِّل منه، وقابيل تقرب بشر ماله، فلم يُتَقَبَّل منه، وهذا قول عبد الله بن عمر (١)، واسماعيل بن رافع (٢)، وأكثر المفسرون (٣).
قال عبدالله بن عمر: " إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، غير طيبةٍ بها نفسه وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه" (٤).
قال اسماعيل بن رافع: " بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما" (٥).
واختلف في قربانهما هل كان بأمر، أو من قبل أنفسهما على قولين:
أحدهما: أنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا وذلك حين اختصما إلى أبيهما آدم. وهذا قول عبدالله بن عمر (٦)، واسماعيل بن رافع (٧)، وذكره ابن إسحاق (٨)، واختيار والزمخشري (٩).
والثاني: أنهما قربا من قِبَل أنفسهما. وهذا معنى قول ابن عباس (١٠)، ومجاهد (١١)، وعطية (١٢).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف كان قوله إنما يتقبل الله من المتقين جوابا لقوله: {لأقتلنك}؟
قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟
ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم" (١٣).
قوله تعالى: {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: ٢٧]، أي: " فحسد قابيلُ أخاه، وقال: لأقتلنَّك" (١٤).
قال الطبري: أي: " قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: لأقتلنك" (١٥).
قال قتادة: " .... فحسده فقال: لأقتلنك! " (١٦).
وروى زيد عن يعقوب: «لأقتلنك»، بسكون النون وتخفيفها (١٧).
(١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣. وسوف يأتي.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣. وسوف يأتي.
(٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٨.
(٤) أخرجه الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٥) أخرجه الطبري (١١٧٠٤): ص ١٠/ ٢٠٢.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٥): ص ١٠/ ٢٠٢.
(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٤): ص ١٠/ ٢٠٢.
(٨) انظرك تفسير الطبري (١١٧١٤): ص ١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٩) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٤.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٦): ص ١٠/ ٢٠٣ قال ابن عباس: " فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانًا ... ". وانظر: تفسير الطبري (١١٧١١)، و (١١٧١٢): ص ١٠/ ٢٠٥.
(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٠٧) - (١١٧١٠): ص ١٠/ ٣٠٤ - ٢٠٥.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٣): ص ١٠/ ٢٠٥.
(١٣) الكشاف: ١/ ٦٢٤.
(١٤) التفسير الميسر: ١١٢.
(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٠.
(١٦) أخرجه الطبري (١١٧١٧): ص ١٠/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(١٧) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.