للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال مجاهد: " قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق" (١).

اختلف فى السبب الذي قربا لأجله قرباناً على قولين:

أحدهما: أنهما فعلاه لغير سبب (٢).

قال ابن عطية: " وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثا وتطوعا" (٣).

والثاني: أن ذلك لسبب، - وهو أشهر القولين- وهو أن حواء كانت تضع في كل عام غلاماً وجارية، فكان الغلام يتزوج من أحد البطنين بالجارية من البطن الآخر، وكان لكل واحد من ابني آدم هابيل وقابيل توأمة، فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه، وقال أنا أحق بها منك. وهذا قول ابن مسعود (٤).

واختلف فى سبب منعه على قولين (٥):

أحدهما: أن قابيل قال لهابيل: أنا أحق بتوأمتي منك، لأننا من ولادة الجنة وأنت من ولادة الأرض. ذكره ابن إسحاق (٦).

الثاني: أنه منعه منها لأن توأمته كانت أحسن من هابيل ومن توأمته، فقربا قرباناً وكان قابيل حراثاً، وهابيل راعياً، فقرب هابيل سخلة سمينة من خيار ماله، وقرب قابيل حزمة سنبل من شر ماله، فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول ولم يكن فيهم مسكين يتقرب بالصدقة عليه وإنما كانت قُرَبُهُم هكذا. وهذا معنى قول ابن مسعود (٧).

أخرج الطبري عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-: "وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين" (٨).

واختلف في سبب قبول قربان هابيل على وجهين:

أحدهما: لأنه كان أتقى لله من قابيل، لقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، والتقوى ها هنا الصلاة على ما ذكره المفسرون (٩).


(١) أخرجه الطبري (١١٧١٨): ص ١٠/ ٢٠٨.
(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٧.
(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٥): ص ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٨.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٤): ١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧١٥): ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧. وسوف يأتي.
(٨) تفسير الطبري (١١٧١٥): ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>