قال ابن عطية: " و {ابنا آدم} هما في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: «ابنا آدم» ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل.
قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور" (١).
قال السعدي: "والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين" (٢).
قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بِ ابني آدم اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ {ابني آدم}، ابني آدم لصلبه، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا" (٣).
وقوله تعالى: {بِالْحَقِّ} [المائدة: ٢٧]، يحتمل وجوها (٤):
أحدها: تلاوة ملتبسة بالحق والصحة.
والثاني: اتله نبأ ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين.
والثالث: بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد، لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه.
والرابع: اتل عليهم وأنت محق صادق.
قال الراغب: " «القربان»: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وكثر استعماله في النسيكة" (٥).
قال الزمخشري: " و «القربان»: اسم ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أن الحلوان اسم ما يحلى أى يعطى، يقال: قرب صدقة وتقرب بها، لأن تقرب مطاوع قرب: قال الأصمعى: تقربوا قرف القمع (٦) فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب" (٧).
قوله تعالى: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} [المائدة: ٢٧]، أي: " فتقبَّل الله قُربان هابيل; لأنه كان تقيًّا، ولم يتقبَّل قُربان قابيل; لأنه لم يكن تقيًّا" (٨).
قال السعدي: " بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه" (٩).
قال قتادة: " هما هابيل وقابيل، كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر ... " (١٠).
(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.
(٢) تفسير السعدي: ٢٢٨.
(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٤.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٠٢١.
(٦) في الصحاح: القرف القشر. والقمعة رأس السنام، والجمع قمع. والقمع أيضا: بثرة تخرج في شفر العين.
(٧) الكشاف: ١/ ٦٢٤.
(٨) التفسير الميسر: ١١٢.
(٩) تفسير السعدي: ٢٢٨.
(١٠) أخرجه الطبري (١١٧١٧): ص ١٠/ ٢٠٧ - ٢٠٨.