للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن الجوزي: " القائل: هو الذي لم يتقبل منه. قال الفراء: إنما حذف ذكره، لأن المعنى يدل عليه، ومثل ذلك في الكلام أن تقول: إذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، وإذا اجتمع السفيه والحليم حمد، وإنما كان ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو قلت: مر بي رجل وامرأة، فأعنت، وأنت تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك علامة تدل على مرادك" (١).

قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: ٢٧]، أي: " فَردَّ هابيل: إنما يتقبل الله ممن يخشونه" (٢).

عن ابن عباس: "قال لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين" (٣).

قال ابن زيد: " يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني! " (٤).

وفي المراد بـ «الْمُتَّقِينَ» قولان:

أحدهما: أنهم الذين يتقون المعاصي، قاله ابن عباس (٥).

والثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك (٦).

قال السعدي: " وأصح الأقوال في تفسير {المتقين} هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (٧).

قال ابن عطية: " وإجماع أهل السنة في معنى [التقوى]، أنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا، وقال عدي بن ثابت وغيره: «قربان متقي هذه الأمة الصلاة» (٨) " (٩).

قال الطبري: " ويعني بقوله: {من المتقين}، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته" (١٠).

قال ابن عطية: " كلام قبله محذوف تقديره: ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ولا ذنب لي في قبول الله قرباني؟ أما إني اتقيته وكنت على لا حب الحق. وإنما يتقبل الله من المتقين" (١١).

واختلف في قابيل هل كان عند قتل أخيه كافراً أو فاسقاً؟ فقال قوم: كان كافراً، وقال آخرون: بل كان رجل سوء فاسقاً (١٢).

قال ابن جريج: " أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سَمُرَةَ الصوّاف، وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله عز وجل حتى


(١) زاد المسير: ١/ ٥٣٧.
(٢) التفسير الميسر: ١١٢.
(٣) أخرجه الطبري (١١٧٢٢): ص ١٠/ ٢١٠.
(٤) أخرجه الطبري (١١٧٢٣): ص ١٠/ ٢١١.
(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.
(٦) أخرجه الطبري (١١٧٢٤): ص ١٠/ ٢١١.
(٧) تفسير السعدي: ٢٢٨.
(٨) أخرجه الطبري (١١٧٢٦): ص ١٠/ ٢١٢. وفيه: " كان قربان المتّقين، الصلاة".
(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.
(١٠) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١١.
(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٨.
(١٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>