للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال مجاهد: " تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم" (١).

قال القرطبي: " استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. وأصل «التيه» في اللغة: الحيرة، يقال منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير. وتيهته وتوهته بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها، وأرض تيه وتيهاء ومنها قال (٢):

تيهٍ أتاويهَ على السُّقّاطِ

وقال آخر (٣):

بتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيَّ كأَنّها ... قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيُوضُها

فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة- قيل: في قدر ستة فراسخ- يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا، فكانوا سيارة لا قرار لهم" (٤).

واختلف هل كان معهم موسى وهرون في التيه؟ وفيه قولان (٥):

أحدهما: لم يكن معهم موسى وهارون-عليهما السلام-، لأن التيه عقوبة. وقد قال: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}.

والثاني: وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم.

واختلف في نوع التحريم في قوله تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} [المائدة: ٢٦]، على قولين (٦):

أحدهما: أنه تحريم منع، أي أنهم ممنوعون من دخولها، كما يقال: حرم الله وجهك على النار، وحرمت عليك دخول الدار. وهذا القول حكاه الجصاص والقرطبي عن اكثر المفسرين (٧).

ومنه قول امرئ القيس (٨):

جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام

يخاطب فرسه: أي: أنا فارس فلا يمكنك صرعي (٩).

قال الجصاص: " فهذا هو أصل التحريم ثم أجرى تحريم التعبد عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع إذ كان من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: ٣]، ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة، ويستحيل اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد، لأن الممنوع لا يجوز حظره ولا إباحته إذ هو غير مقدور عليه، والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ولا يكون فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا" (١٠).


(١) أخرده الطبري (١١٧٠١): ص ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) الشعر للعجاج في ديوانه ٢٤٧. يصف أرضا مجهولة ليس بها علامات يهتدي بها، وأتاويه أفاعيل من تيه. والسقاط كل من سقط عليه، وهم الذين لا يصبرون ولا يجدون الواحد ساقط: وصدر البيت:
وبسطه بسعة البساط

والبساط المكان الواسع من الأرض. وقيل هذا البيت:
وبلدة بعيدة النياط ... مجهولة تغتال خطو الخاطي.
(٣) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في "ديوانه" ص ١١٩، "الحجة" ٢/ ٤٣٦، و"شرح الكافية" للرضي ٤/ ١٨٩، و"لسان العرب" ٥/ ٢٨٩٧ (مادة: عرض)، ٧/ ٣٩٦١، مادة: "كون".
(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.
(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.
(٧) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٤، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.
(٨) ديوانه: ١٥٧.
(٩) انظر: أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٤، والوجوه والنظائر، لأبي هلال العسكري: ٢٠٠، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.
(١٠) أحكام القرآن: ٤/ ٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>