للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: ٢٦]، أي: " قال الله لنبيه موسى عليه السلام: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين" (١).

قال ابن الجوزي: " الإشارة إلى: «الأرض المقدسة»، ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها" (٢).

قال مقاتل: " فأوحى الله- عز وجل- إلى موسى- عليه السلام- أما إذ سميتهم فاسقين فالحق أقول لا يدخلونها أبدا، وذلك قوله- عز وجل- {قال فإنها محرمة عليهم}، دخولها البتة أبدا. {أربعين سنة}، فيها تقديم {يتيهون في الأرض}، في البرية" (٣).

قال الزجاج: " قيل: عذبهم الله بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة لا يقرهم قرار إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار وولد من لم يدخل في جملتهم في المعصية.

وقيل: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه.

قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون في التيه لأن التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون.

وجائز أن يكون كانا في التيه وأن الله جل اسمه سهل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم الناررفجعلها عليه بردا وسلاما وشأنها الإحراق" (٤).

قال ابن كثير: " لما دعا عليهم موسى، عليه السلام، حين نكَلُوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغَمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان" (٥).

وفي مسافة أرض التيه قولان:

أحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس (٦). قال مقاتل: " فتاه القوم في تسع فراسخ عرض وثلاثين فرسخا طول" (٧).

والثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا، حكاه مقاتل أيضا (٨).

قال القرطبي: "ويقال: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟

فالجواب- قال أبو علي: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدءوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة" (٩).

قال أبو عبيدة، وأبوبكر السجستاني: " {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}، أي: يحورن ويحارون ويضلون" (١٠).

قال الطبري: " معنى: {يتيهون في الأرض}، يحارون فيها ويضلُّون ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: تائه. وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه" (١١).


(١) التفسير الميسر: ٣١٠.
(٢) زاد المسير: ١/ ٥٣٥.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.
(٤) معاني القرآن: ٢/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٩.
(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٥.
(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.
(٨) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.
(٩) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩ - ١٣٠.
(١٠) مجاز القرآن: ١/ ١٦٠، وغريب القرآن لأبي بكر السجستاني: ١٩٤.
(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>