قال الزمخشري: " إن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟
قلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره.
ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه.
ويجوز أن يريد: ومن يؤاخينى على دينى {فافرق}: فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم" (١).
وقال القرطبي: " وإن قيل: بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة:
الأول: بما يدل على بعدهم عن الحق، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان، ولذلك ألقوا في التيه.
الثاني- بطلب التمييز، أي: ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب.
والثالث: وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به، ومنه قول تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: ٤]، أي: يقضى، وقد فعل لما أماتهم في التيه.
والرابع: وقيل: إنما أراد في الآخرة، أي: اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار، والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر (٢):
يَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ" (٣)
الفوائد:
١ - وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم.
٢ - حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم.
٣ - أن الاختلاف على الأنبياء سبب الفتن والهلاك، فعندما دعى نبي الله موسى عَلَيْهِ السَّلام قومه لأمر الله أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فاختلفوا عليه، وَقَالُوا: إن فيها قوماً جبارين، إِلَى أن آل به الحال أن يقول عَلَيْهِ السَّلام: {رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: ٢٥].
٤ - ومنها: أن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، إذ كانت تجمع بين موسى وبين قومه رابطة القومية الإسرائيلية، أما وقد كفروا بالله وتمردوا على سلطانه وأمره، تبرئ موسى منهم وقال: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}.
٤ - ومن الفوائد: أن جميع الأنبياء عليهم السلام لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن يملكوا لغيرهم، وأنهم عباد محتاجون فقراء إلى الله تعالى، وأنهم كانوا يدعونه لدفع المضرات وجلب الخيرات، وأنهم كانوا يخافون ربهم، ولا يملكون التصرف في الكون.
القرآن
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)} [المائدة: ٢٦]
التفسير:
قال الله لنبيه موسى عليه السلام: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي.
(١) الكشاف: ١/ ٦٢٢.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.