للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبي: أي: " لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال: {وأخي}، أي: وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء، أي إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا. وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا" (١).

قال الزمخشري: " لما عصوه وتمردوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق به إلا هرون قال رب إني لا أملك لنصرة دينك إلا نفسي وأخي، وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة، ونحوه قول يعقوب -عليه السلام- {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: ٨٦].

وعن على رضى الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء (٢)، ودعا لهما وقال: أين تقعان مما أريد؟ " (٣).

قوله تعالى: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: ٢٥]، أي: " فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين" (٤).

قال ابن عباس: يقول: اقض بيني وبينهم" (٥).

قال الضحاك: " يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم كلّ هذا يقول الرجل: اقض بيننا" (٦).

قال الطبري: أي: " افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا" (٧).

قال المراغي: أي: " أي: فافصل بيننا -يريد نفسه وأخاه-، وبين القوم الفاسقين عن طاعتك بقضاء تقضيه بيننا، فتحكم لنا بما نستحق، وعليهم بما يستحقون، فقد صرنا خصما لهم وصاروا خصما لنا، وقيل إن المعنى: إنك إذا أخذتهم بالعقاب على قسوتهم فلا تعاقبنا معهم فى الدنيا" (٨).

و{الفاسقين}: أي: " الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه" (٩).

قال أبو عبيدة: " {فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ}، أي باعد وافصل وميّز ... {الفاسقين}، هاهنا: الكافرين" (١٠).

و«الفرق»: الفصل، يقال: فَرَقت بين هذين الشيئين، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز (١١):

يَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ (١٢)

قال السدي: " غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، فدعا عليهم فقال: {رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها" (١٣).

وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ: «فافرق»، بكسر الراء (١٤).


(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.
(٢) قوله «فتنفس الصعداء» في الصحاح: الصعداء بالضم والمد تنفس ممدود.
(٣) الكشاف: ١/ ٦٢١ - ٦٢٢.
(٤) تفسير المراغي: ٦/ ٩٣.
(٥) أخرجه الطبري (١١٦٨٦): ص ١٠/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٦) أخرجه الطبري (١١٦٨٩): ص ١٠/ ١٨٩.
(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٧.
(٨) تفسير المراغي: ٦/ ٩٣.
(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٩.
(١٠).نجاز القرآن: ١/ ١٦٠
(١١) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٦٠، وتفسير الطبري: ١٠/ ١٨٨، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨
(١٢) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٨. قال محقق تفسير الطبري السيد احمد محمد شاكر: " البيت لعله لحبينة بن طريف العكلي".
(١٣) أخرجه الطبري (١١٦٨٨): ص ١٠/ ١٨٩.
(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>