للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: أنه يجوز أن يكون تحريم التعبد، أجازه أبو علي (١)، لأن التحريم أصله المنع قال الله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص: ١٢]، قال الجصاص: "يعني: به المنع" (٢).

قال الشنقيطي: " ومن إطلاق التحريم بمعناه اللغوي في القرآن: قوله في بني إسرائيل وهم في التيه، قال: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} [المائدة: آية ٢٦]، فإنه تحريم كوني قدري؛ لأن الله منعهم إياه، لا تحريم شرعي على التحقيق" (٣).

واختلف في قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: ٢٦]، على قولين:

أحدهما: أنها محرمة عليهم أبدا، وأن قوله: {أَرْبَعِينَ سَنَةً} منصوب بقوله {يَتِيهُونَ}. وهذا قول عكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦)، واختيار الزجاج (٧).

قال الزجاج: " أما نصبه بـ {محرمة} فخطأ، لأن التفسير جاء بأنها محرمة عليهم أبدا" (٨).

والثاني: أنها حرمت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إليها، وعليه فإن قوله: {أَرْبَعِينَ سَنَةً} منصوب بقوله {مُحَرَّمَةٌ}. وهذا قول الربيع (٩)، واختيار ابن جرير الطبري (١٠).

قال الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن «الأربعين» منصوبة بـ «التحريم»، وإنّ قوله: {محرمة عليهم أربعين سنة}، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم. فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.

وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها" (١١).

وفيما يأتي نسرد بعض الاخبار التي وردت في القولين:

قال الربيع: " لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم فاسقين بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي


(١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٩.
(٢) أحكام القرآن: ٤/ ٤٤.
(٣) العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: ٢/ ٤٤٩.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩٣): ص ١٠/ ١٩١ - ١٩٢.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩١)، و (١١٦٩٢): ض ١٠/ ١٩١.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩٤): ص ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٧) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٥.
(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٦٥.
(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٦٩٠): ض ١٠/ ١٩٠ - ١٩١.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٧.
(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>