للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عطية: المعنى: "يعينك الله ويقاتل معك ملائكته ونصره، فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي: اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها" (١).

والثاني: معناه: أن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك- إن كنت رسوله- أولى من قتالنا.

قال القرطبي: "فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر، لأنهم شكوا في رسالته" (٢).

والثالث: أنهم أرادوا: الذهاب الذي هو النقلة.

قال الجصاص: "وهذا تشبيه وكفر من قائله وهو أولى بمعنى الكلام، لأن الكلام خرج مخرج الإنكار عليهم والتعجب من جهلهم، وقد يقال على المجا: ز قاتله الله، بمعنى: أن عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلي عليهم بالاقتدار وعظم السلطان" (٣).

قال القرطبي: " وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعال عن ذلك. وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة، وهو معنى قول الحسن، لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر في معنى الكلام" (٤).

قال أبو حيان: " ظاهر الذهاب الانتقال، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة" (٥).

والرابع: أرادوا بالـ «ربّ»، هارون.

ذكر بعض المفسرين: " أن المراد بالـ «ربّ»، هنا: هارون، لأنه كان اسن من «موسى»، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه، وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا: اذهب أنت وكبيرك" (٦).

قال ابن عطية: "وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيرا لموسى وتابعا له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر" (٧).

قلت: وأن تمثيل الصحابي الجليل مقداد بن الأسود بالآية-كما سيأتي- يقتضي أن قوله «ربك»، إنما أريد به الله تعالى. والله أعلم.

قال القرطبي: " وبالجملة فقد فسقوا بقولهم، لقوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين}، أي: لا تحزن عليهم" (٨).

قال الراغب: " ذكر جهلهم وقلة معرفتهم بالله، وأنهم ما قدروا الله حق قدره حيث أمروه أن يستصحبه إلى الجواب استصحاب الأشخاص وبكتهم بامتناعهم من الدخول إما جبنا وإما قصدا إلى العصيان، وأيهما كان فمذموم" (٩).

قال الزمخشري: "والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عز وجل جهرة. والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أن موسى وهرون عليهما السلام خرا لوجوههما قدامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما. ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: ٨٢] " (١٠).

قوله تعالى: {إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: ٢٤]، أي: " أما نحن فقاعدون هاهنا ولن نقاتلهم" (١١).

قال مقاتل: "يعني: مكاننا، فإننا لا نستطيع قتال الجبابرة" (١٢).

قال القرطبي: " أي: لا نبرح ولا نقاتل" (١٣).

قال النسفي: أي: " ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم" (١٤).

قال الشوكاني: " أي: لا نبرح هاهنا، لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع، وقيل: أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر" (١٥).

قال الإمام ابن كثير: " وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، عليهما السلام، قُدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما لما هموا به، وشَق "يوشع بن نون" و "كالب بن يوفنا" ثيابهما ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما. وجرى أمر عظيم وخطر جليل.

وما أحسن ما أجاب به الصحابة، رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف، في العُدة والبَيْض واليَلب، فتكلم أبو بكر، رضي الله عنه، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أشيروا عليَّ أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو اسْتَعرضْتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك، وما تخلَّف منا رجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصُبُر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونَشَّطه ذلك" (١٦).

وروي عن حميد عن أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْت أكبادها إلى بَرْك الغمَاد لاتبعناك" (١٧).

وعن عتبة بن عبد السلمي قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ألا تقاتلون؟ " قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون" (١٨).

أخرج الطبري عن قتادة قال: "ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم: «إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت! »، فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا


(١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٦.
(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.
(٣) أحكام القرآن للجصاص: ٤/ ٤٣.
(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.
(٥) البحر المحيط: ٤/ ٢٢٠.
(٦) ذكره ابن عطية عن النقاش عن بعض المفسرين، انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.
(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.
(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.
(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ٤/ ٣١٧.
(١٠) الكشاف: ١/ ٦٢١.
(١١) التفسير الميسر: ١١٢.
(١٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٧.
(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٨.
(١٤) تفسير النسفي: ١/ ٤٤٠.
(١٥) فتح القدير: ٢/ ٣٣.
(١٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٧، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ٦١٥.
(١٧) المسند (٣/ ١٠٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٤١)، وابن مردوية كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٧، ومسند أبي يعلى الموصلي (٦/ ٤٠٧) ..
(١٨) ورواه أحمد في مسنده (٤/ ١٨٣) من طريق الحسن بن أيوب، وابن مردوية كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>