أخرج الطبري عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرَّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدِّام جماعة بني إسرائيل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها صالحًة، رضيها ربُّنا لنا فوهبها لنا، وإنها .. تفيض لبنًا وعسلا ولكن افعلوا واحدة: لا تعصُوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَفَّعون في أيدينا، إن كبرياءهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة " (١).
وفي قراءة ابن مسعود: «عليهما ويلكم ادخلوا» (٢).
قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: ٢٣]، أي: " وعلى الله وحده فتوكَّلوا، إن كنتم مُصدِّقين رسوله فيما جاءكم به، عاملين بشرعه" (٣).
قال القرطبي: أي: " مصدقين به، فإنه ينصركم" (٤).
قال السمرقندي: " يعني: فثقوا بأنه ناصركم إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى" (٥).
قال أبو السعود: أي: " {وعلى الله} تعالى خاصة {فتوكلوا} بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزل من التأثير وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير {إن كنتم مؤمنين} أي مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتما" (٦).
قال ابن عطية: " قولهما: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}، يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر" (٧).
الفوائد:
١ - بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلو زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس.
٢ - فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار.
٣ - الإعتماد على الله في تحقيق النصر، وعدم الإغترار بقوة الأعداء؛ فإن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد وعد به المؤمنين والله لا يخلف الميعاد.
٤ - فضيلة التوكل على الله، وهو اعتماد القلب على الله إيمانا بكفايته سبحانه لعبده.
قال البيهقي: "وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله عز وجل والثقة بحسن النظر فيما أمر به وأباحه، واحده من وكل يكل، إلا أنه يقال: وكل الأمر إلى فلان وقد توكل على الله. لأن المعنى يحمل ذلك ويكله اعتمادًا على الله جل ثناؤه وهو من باب الاختصار.
واختلف أهل المصائر في ذلك:
- فقال قائلون: التوكل الصحيح ما كان من قطع الأسباب، فإذا جاء السبب إلى المراد ارتفع التوكل.
- وقال آخرون: كل أمر بين الله تعالى لعباده فيه طريقًا ليسلكوه إذا عرض لهم والتوكل يقع منهم في سلوك تلك السبيل والتسبب به إلى المراد، فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه، ومن جرد التوكل عن السبب بما جعله الله سببًا، فلم يفعل ما أمر به ولم يأت الأمر من بابه" (٨).
(١) تفسير الطبري (١١٦٧٩): ص ١٠/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.
(٣) التفسير الميسر: ١١١.
(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.
(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٨٢.
(٦) تفسير أبي السعود: ٣/ ٢٤.
(٧) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٥.
(٨) المنهاج في شعب الإيمان: ٢/ ٥.