للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يخبرا به أحدًا، وهما اللذان قال الله عز وجل: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما}، إلى قوله: {وبين القوم الفاسقين} " (١).

وروي عن ابن عباس ايضا، قوله: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}، قال: "هي مدينةُ الجبارين. لما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثَنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عِنب بوِقْر الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قَدْر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون! قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، وكانا من أهل المدينة أسلَما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكَّلوا إن كنتم مؤمنين} " (٢).

روي عن الربيع: "أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجبَ: لا تحدثوا أحدًا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، كان أحدهما، فيما سمعنا، يوشع بن نون وهو فتى موسى، والآخر كالب - فقالا {ادخلوا عليهم الباب}، إلى {إن كنتم مؤمنين} " (٣).

قال الطبري: " وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم موسى: يوشع بن نون وكالب بن يافنا، أنهما وفَيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومِه بني إسرائيل الذين أمرَهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعِظم خلقهم، ووصفهما الله عز وجل بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه ... وأما قوله: أنعم الله عليهما، فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل، الذي حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء، وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف" (٤).

وفي تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: ٢٣]، ثلاثة وجوه

أحدهم: يخافون الله، ويسنده قراءة قتادة: «يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا» (٥).وهو الصحيح.

الثاني: يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له قراءة سعيد بن جبير «يُخَافُونَ»، بضم الياء (٦)، وكذلك، قوله: {أنعم الله عليهما}، كأنه قيل: من الخوفين (٧).

قال الطبري: " وكأن سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، وإن كانوا لهم في الدين مخالفين" (٨).

والثالث: يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. ذكره القرطبي (٩).

والرابع: يخافون الجبارين، أنعم الله عليهما فلم يخافا وصدقا في مقالتهما، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق (١٠). اختاره القرطبي (١١).


(١) تفسير الطبري (١١٦٦٨): ص ١٠/ ١٧٧.
(٢) أخرجه الطبري (١١٦٧٦): ص ١٠/ ١٨٠.
(٣) أخرجه الطبري (١١٦٧٣): ص ١٠/ ١٧٨.
(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٦ - ١٨١.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٤): ص ١٠/ ١٧٩.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٧٥): ص ١٠/ ١٧٩.
(٧) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٠.
(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٩.
(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.
(١٠) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٢، والنكت والعيون: ٢/ ٢٦.
(١١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>