للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم! ! وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدّثوه العجب" (١).

وقرأ ابن السميفع: «قالوا يا موسى فيها قوم جبارون» (٢).

قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} [المائدة: ٢٢]، أي: " وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها" (٣).

قال النسفي: أي: " بالقتال" (٤).

قال الطبري: أي: " فقالوا: إنا لن ندخلها حتى يخرج من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم" (٥).

قال ابن كثير: أي: " ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها" (٦).

قال القرطبي: " أي: حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان، فإنهم قالوا: {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} " (٧).

قال أبو حيان: " هذا تصريح بالامتناع التام من أن يقاتلوا الجبابرة، ولذلك كان النفي بلن. ومعنى حتى يخرجوا منها: بقتال غيرنا، أو بسبب يخرجهم الله به فيخرجون" (٨).

قوله تعالى: {فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: ٢٢]، أي: " فإِن خرجوا منها هؤلاء الجبارون دخلناها" (٩).

قال النسفي: أي: " بغير قتال، {فإنا داخلون} بلادهم حينئذ" (١٠).

قال ابن كثير: أي: " فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم" (١١).

قال أبو حيان: "قال أكثر المفسرين: لم يشكوا فيما وعدهم الله به، ولكن كان نكوصهم عن القتال من خور الطبيعة والجبن الذي ركبه الله فيهم، ولا يملك ذلك إلا من عصمه الله وقال تعالى: {افَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: ٢٤٦].

وقيل: قالوا ذلك على سبيل الاستبعاد أن يقع خروج الجبارين منها كقوله تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: ٤٠] " (١٢).

أخرج الطبري عن ابن إسحاق، "أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر" (١٣).

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قَدْر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا: يا موسى، {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون} " (١٤).

وعن يحيى بن عبد الرحمن قال: "رأيت أنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق" (١٥).

وقال مقاتل: " طول كل رجل منهم سبعة أذرع ونصف من بقايا قوم عاد وكان عوج بن عناق بنت آدم فيهم" (١٦).

وقال الكلبي: "طول كل رجل منهم ثمانون ذراعا" (١٧).

وقد ذكر القرطبي من الإسرائيليات التي لايعول عليها، فقال: " قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف «٢» ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا، قاله ابن عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح عليه السلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم (١٨) سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت" (١٩).

قال ابن كثير: "وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق، بنت آدم، عليه السلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يستحي من ذكره. ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" (٢٠).

ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زِنْية، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: ٢٦]، وقال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} (١٤) [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى: قَال {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ} [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟ ! هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: «عوج بن عنق» نظر، والله أعلم" (٢١).


(١) أخرجه الطبري (١١٦٥٩): ص ١٠/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٢) انظر: البحر المحيط: ٤/ ٢١٨.
(٣) التفسير الميسر: ١١١.
(٤) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٩.
(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٥.
(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.
(٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.
(٨) البحر المحيط: ٤/ ٢١٨.
(٩) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٥.
(١٠) تفسير النسفي: ١/ ٤٣٩.
(١١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.
(١٢) البحر المحيط: ٤/ ٢١٨.
(١٣) تفسير الطبري (١١٦٦٣): ص ١٠/ ١٧٥.
(١٤) رواه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٦.
(١٥) رواه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٦.
(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦٦.
(١٧) بحر العلوم: ١/ ٣٨٢.
(١٨) ي صار لهم جسرا يعبرون عليه! .
(١٩) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٧.
(٢٠) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٢٦) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
(٢١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>