للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الطبري: " سموهم جبّارين، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم" (١).

قال الزجاج: " تأويل «الجبار» من الآدميين: العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، والله- عز وجل - الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يزل، والله عز وجل يأمر بما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما وصفوهم بالقدرة والتكبر، والمنعة" (٢).

قال القرطبي: {جبارين}، " أي: عظام الأجسام طوال، وقد تقدم، يقال: نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر ... وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه" (٣).

وأصل «الجبار»، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه جبار، وإنما هو فعّال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول العجاج (٤):

قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ ... وَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّي العَوَرْ

يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته (٥).

قال ابن عباس: " أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم" (٦).

قال ابن كثير: " وفي هذا الإسناد نظر" (٧).

وقال الربيع: " إن موسى عليه السلام قال لقومه: إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: فإنّ


(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧١.
(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦٣.
(٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٢٦.
(٤) ديوانه: ١٥، واللسان (جبر) (عور)، وهو أول أرجوزته التي مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد مضت منها أبيات، وذكرنا خبرها فيما سلف، انظر ١: ١٩٠/ ٢: ١٥٧/ ٣: ٢٢٩/ ٤: ٣٢١. وقوله: قد جبر الدين الإله، من قولهم: جبرت العظم متعديًا، فجبر، لازمًا، أي: انجبر العظم نفسه. والعور في هذا الشعر هو قبح الأمر وفساده، وترك الحق فيه، وليس من عور العين. وعور الشيء قبحه. يدعو فيقول: قبح الله من اتبع الفساد واستقبله بوجهه. من قولهم ولي الشيء وتولاه، أي اتبعه وفي التنزيل: ولكل وجهة هو موليها، أي مستقبلها ومتبعه.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٢.
(٦) أخرجه الطبري (١١٦٥٧): ص ١٠/ ١٧٣.
(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>