للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لم يؤت أحدًا من العالمين" مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم" (١).

واختلف فيمن عنوا بالخطاب في وفي قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: ٢٠]، على قولين:

أحدهما: عني به أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-. وهذا قول أبي مالك (٢)، وسعيد بن جبير (٣).

والثاني: عُنِي به قوم موسى -صلى الله عليه وسلم-. وهذا قول ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥).

والراجح-والله أعلم- انه خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه صلى الله عليه وسلم، أحد من العالمين (٦).

قال ابن كثير: " الجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم، والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، وأعظم ملكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا، قال الله -عز وجل-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ١١٠]، وقال {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: ١٤٣]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها، عند الله، عند قوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} من سورة آل عمران" (٧).

ويمكن القول بأن المقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، وهي:

أحدها: إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله سُبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ٧١]، فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة.

والثاني: المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهاً لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: ٢٠].

والثالث: المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: ٣٢]. وبه قال قتادة (٨)، ومجاهد (٩)، وابن زيد (١٠)، وأبو العالية (١١). وهذا مذهب الجمهور (١٢).

الفوائد:


(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٦.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٧): ص ١٠/ ١٦٤.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٧): ص ١٠/ ١٦٤.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٩): ص ١٠/ ١٦٤.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٨): ص ١٠/ ١٦٤.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٦.
(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٤.
(٨) أخرجه الطبري (٨٦٨): ص ٢/ ٢٤.
(٩) أخرجه الطبري (٨٧٠): ص ٢/ ٢٤.
(١٠) أخرجه الطبري (٨٧٢): ص ٢/ ٢٤.
(١١) أخرجه الطبري (٨٦٩): ص ٢/ ٢٤.
(١٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>