والسادس: أن الملك مركب وخادم ودار. وهذا قول الحسن أيضا (١).
والسابع: أن كل من ملك داراً وزوجة وخادماً، وفهو ملك من سائر الناس، وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (٢)، وابن عباس-في ر رواية عنه- (٣)، والحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦).
وقد روى زيد بن أسلم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان له بيت يأوي إليه وزوجة وخادم، فهو ملك" (٧).
قال ابن كثير: " هذا مرسل غريب. وقال مالك: بيت وخادم وزوجة" (٨).
وعن أبو عبد الرحمن الحبلي قال: "سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك" (٩).
وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كُتِب ملكا" (١٠).
قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: ٢٠]، أي: " وقد منحكم من نعمه صنوفًا لم يمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم" (١١).
قال ابن كثير: " يعني عالمي زمانكم، فكأنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الجاثية: ١٦]، وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠] " (١٢).
واختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين على ثلاثة أقوال:
أحدها: المن والسلوى والغمام والحجر، وهو قول مجاهد (١٣).
الثاني: أنه الدَّار والخادِم والزوجة. وهذا قول ابن عباس (١٤).
والثالث: كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم (١٥).
والصواب-والله أعلم- هو قولُ من قال: " {وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين}، في سياق قوله: {اذكروا نعمة الله عليكم}، ومعطوفٌ عليه، ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: "وآتاكم ما
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٥): ص ١٠/ ١٦٠.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٣): ص ١٠/ ١٦٣.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٧): ص ١٠/ ١٦٠ - ١٦١.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٣٥): ص ١٠/ ١٦٣.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٦٢٦): ص ١٠/ ١٦٠.
(٧) أخرجه الطبري (١١٦٢٦): ص ١٠/ ١٦١.
(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣.
(٩) أخرجه الطبري (١١٦٢٥): ص ١٠/ ١٦١.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣. وفي إسناده ابن لهيعة ودراج ضعيفان ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.
(١١) التفسير الميسر: ١١١.
(١٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٤.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٠)، و (١١٦٤١): ص ١٠/ ١٦٤.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (١١٦٤٢)، و (١١٦٤٣): ص ١٠/ ١٦٤.
(١٥) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٥.