قال السعدي: " أي: يهدي به من اجتهد وحرص على بلوغ مرضاة الله، وصار قصده حسنا -سبل السلام التي تسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، إجمالا وتفصيلا" (١).
قال الزجاج: " السبل: الطرق، فجائز أن يكون - والله أعلم - طرق السلام أي طرق السلامة التي من ملكها سلم في دينه، وجائز أن يكون - والله أعلم - سبل السلام، طرق الله، والسلام اسم من أسماء الله" (٢).
قال أبو علي: " {سُبُلَ السَّلامِ}، أي: سبل دار السلام، بدلالة قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧]، وتكون إضافة الدار إلى السلام على أحد وجهين: إمّا أن يراد به الإضافة إلى السلام الذي هو اسم من أسماء الله على وجه التعظيم لها والرفع منها، كما قيل للكعبة: بيت الله، وللخليفة: عبد الله. وإمّا أن يراد بالسلام جمع سلامة، كأنّه: دار السلامة التي لا يلقون في حلولها عنتا ولا تعذيبا، كما قال: {الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ} [فاطر: ٣٥]." (٣).
عن السدي: " {من اتبع رضوانه سبل السلام}، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية" (٤).
وإن قلتَ: "كيف قال ذلكَ، مع أن العبد ما لم يهده الله لا يتَّبع رضوانه فيلزم الدَّورُ؟
قلتُ: فيه إِضْمارٌ تقديرُه: يهدي به اللَّهُ منْ علِم أنه يريد أن يتَّبع رضوانه، كما قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، أي: والّذين أرادوا سبيل المجاهدة لنهدينهم سبيل مجاهدتنا" (٥).
قال ابن عاشور: " و «سبل السلام»: طرق السلامة التي لا خوف على السائر فيها، وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سحيم بن وثيل الرياحي (٦):
مررتُ على وادى السِّباعِ ولا أَرى ... كوادى السِّباع حين يُظلمُ وادِيا
أقلَّ به ركْبٌ أتَوْه تَئيّةً ... وأخوفَ، إلاّ ما وَقى اللهُ، ساريا
فسبيل السلام استعارة لطرق الحق" (٧).
قال الحازمي: " طرق مرضاته يجمعها سبيله الواحد يعني {سُبُلَ السَّلامِ}، المراد به أنواع العبادات الصلاة، والصيام، والزكاة هذه متعددة، لكنها تجمع قدرًا مشتركًا وهو عبادة الله تعالى وحده" (٨).
وقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب: «به الله»، بضم الهاء حيث وقع مثله (٩).
قوله تعالى: {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة: ١٦]، أي: " ويخرجهم بإذنه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان" (١٠).
قال الطبري: " يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه، بإذن الله جل وعز" (١١).
قال القرطبي: " أي: من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات، بتوفيقه وإرادته" (١٢).
قال ابن كثير: " أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم الضلالة" (١٣).
قال السعدي: أي من: " ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور الإيمان والسنة والطاعة والعلم، والذكر. وكل هذه الهداية بإذن الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن" (١٤).
قوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: ١٦]، أي: " ويوفقهم إلى دينه القويم" (١٥).
قال الطبري: أي: " ويرشدهم ويسددهم إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه" (١٦).
قال ابن كثير: أي: "ويرشدهم إلى أقوم حالة" (١٧).
قال المحاسبي: " فضمن الله عز وَجل لمتبعه: الْهَدْي لطريق السَّلامَة، والسلوك للطريق الْمُسْتَقيم" (١٨).
قال ابن عاشور: " «الصراط المستقيم» مستعار للإيمان" (١٩).
وفي قوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: ١٦]، وجهان:
أحدهما: طريق الحق وهو دين الله، وهذا قول الحسن (٢٠).
والثاني: طريق الجنة فى الآخرة، وهو قول بعض المتكلمين (٢١).
الفوائد:
١ - أن الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك، وأن اتباع السنة المحمدية يهدي صاحبه إلى سعادته وكماله.
٢ - القرآن حجة على الناس كافة لبيانه الحق في كل شيء.
٣ - طالب رضا الله بصدق يفوز بكل خبر وينجو من كل ضير.
٤ - لقد تميزت الرسالة الخاتمة بالشمول لجميع متطلبات البشر، والعموم لجميع أجناسهم في كل مكان وزمان، فهي تحمل التعريف الصحيح بالله وحقه والكون والحياة، وعن مبدأ الإنسان ودوره في الحياة، ومصيره بعد الممات.
كما تضمنت النظام الكامل السديد لعلاقة البشر مع خالقهم ومع بعضهم البعض
٥ - وذكر سبحانه للكتاب ثلاث فوائد:
احدها: إن المتبع لما يرضى الله بالإيمان بهذا الكتاب- يهديه إلى الطرق التي يسلم بها فى الدنيا والآخرة من كل ما يبعده عن الشقاء والهلاك، فيقوم فى الدنيا بحقوق الله
(١) تفسير السعدي: ٢٢٦.
(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦١.
(٣) الحجة للقراء السبعة: ١/ ١٨٤.
(٤) أخرج الطبري (١١٦١٢): ص ١٠/ ١٤٥.
(٥) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، زكريا الانصاري: ١/ ١٣٤.
(٦) الكتاب، لسبويه: ٢/ ٣٢ - ٣٣، والخزانة ٣/ ٥٢١، يقول: وافيت هذا الوادي ليلا- وهو واد بعينه- فأوحشني لكثرة سباعه، فرحلت عنه ولم أمكث فيه لوحشته- والتئيّة: التلبث والمكث.
(٧) التحرير والتنوير: ٦/ ١٥١.
(٨) شرح العقيدة الواسطية للحازمي رقم الدرس (٩) /٢٣. [تسجيل صوتي].
(٩) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.
(١٠) التفسير الميسر: ١١٠.
(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٥.
(١٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٩.
(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٨.
(١٤) تفسير السعدي: ٢٢٦.
(١٥) التفسير الميسر: ١١٠.
(١٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٦.
(١٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٨.
(١٨) فهم القرآن: ٢٧٦.
(١٩) المحرر الوجيز: ٦/ ١٥١.
(٢٠) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٢.
(٢١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٢٢.