قال ابن الجوزي: أي: " يتجاوز، فلا يخبرهم بكتمانه" (١).
قا البغوي: " أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به" (٢).
قال الزمخشري: " {ويعفو عن كثير} مما تخفونه، لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بد من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة" (٣).
قال القرطبي: " يعني: يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله عليه وسلم ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول: لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه" (٤).
قال الشوكاني: " {ويعفوا عن كثير} مما تخفونه، فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد افتضاحكم وقيل المعنى: إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به وقيل: يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم" (٥).
فان قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه؟
فعن ذلك جوابان، ذكرهما ابن الجوزي (٦):
أحدهما: أنه كان متلقيا ما يؤمر به، فإذا أمر باظهار شيء من أمرهم، أظهره، وأخذهم به، وإلا سكت.
والثاني: أن عقد الذمة إنما كان على أن يقروا على دينهم، فلما كتموا كثيرا مما أمروا به، واتخذوا غيره دينا، أظهر عليهم ما كتموه من صفته وعلامة نبوته، لتتحقق معجزته عندهم، واحتكموا إليه في الرجم، فأظهر ما كتموا مما يوافق شريعته، وسكت عن أشياء ليتحقق إقرارهم على دينهم.
قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: ١٥]، أي: " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين: وهو القرآن الكريم" (٧).
قال الزمخشري: " يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيا عن الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز من اتبع رضوانه من آمن به سبل السلام طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله" (٨).
قال ابن عطية: " قوله عز وجل: {نور وكتاب مبين}، يحتمل: أن يريد محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل: أن يريد موسى عليه السلام والتوراة، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به" (٩).
وفى «النور»، ثلاثة أقوال:
أحدها: محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو قول الزجاج (١٠)، والبغوي (١١).
(١) زاد المسير: ١/ ٥٢٩.
(٢) تفسير البغوي: ٣/ ٣٢.
(٣) الكشاف: ١/ ٦١٧.
(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٨.
(٥) فتح القدير: ٢/ ٢٨.
(٦) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٢٩.
(٧) التفسير الميسر: ١١٠.
(٨) الكشاف: ١/ ٦١٧.
(٩) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧١.
(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦١.
(١١) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٣٢.