للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والسادس: أن القاتل كان المقداد بن الأسود، والمقتول كان رجلا من المشركين.

عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-؛ قال: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم؛ وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فأهوى إليه المقداد، فقتله؛ فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله؟ ! لأذكرنَّ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: "ادع لي المقداد، يا مقداد! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ "؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا}؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» " (١).

والسابع: أن القاتل كان أسامة بن زيد، والمقتول كان مرداس بن نهيك. وهذا قول السدي.

قال السدي: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها! . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! فأنزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: {تبتغون عرض الحياة الدنيا}، فلما بلغ: {فمنَّ الله عليكم}، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه" (٢).

وفي السياق نفسه: روي عن أبي ظبيان، قال: "سمعت أسامة بن زيد يحدث، قال:

بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة، من جهينة، قال: فصبحناهم، فقاتلناهم، فكان منهم رجل، إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته، أنا ورجل من الأنصار، قال: فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وقتلته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا


(١) أخرجه البخاري -معلقاً بصيغة الجزم-: (٦٨٦٦): ص ١٢/ ١٨٧، ووصله البزار في "مسنده": (٢٢٠٢): ص ٣/ ٤٥ - "كشف"، والطبراني في "المعجم الكبير": ١٢٣٧٩): ص ١٢/ ٣٠، ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة": ص ١٠/ ١٤٧ - ١٤٨ - ١٥٠، ومن طريقه الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" (٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣) -، والدارقطني في "الأفراد"؛ كما في "فتح الباري" (١٢/ ١٩٠) -ومن طريقه الحافظ في "تغليق التعليق" (٥/ ٢٤٣) -، وبحشل في "تاريخ واسط" (ص ١٧٨) جميعهم من طريق أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم ثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
قال البزار: "لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس، ولا له عنه إلا هذا الطريق".
وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، تفرد به حبيب بن أبي عمرة، وتفرد به أبو بكر بن علي بن مقدم، وهو أخو عمر بن علي؛ وأبو بكر هذا والد محمد، وهو غريب الحديث".
(٢) أخرجه الطبري (١٠٢٢١): ص ٩/ ٧٨ - ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>