والثالث: أن القاتل كان من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، والمقتول كان رجلا من غطفان اسمه مرداس. وهذا قول قتادة (١)، وجابر (٢)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٣).
قال قتادة:" وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: " إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا" (٤).
والرابع: أن القاتل كان رجلا من المسلمين والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول الحسن (٥)، وقتادة في رواية معمر (٦).
عن مبارك عن الحسن، قال: "أن أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا أناسا من العدو، فحملوا عليهم، فهزموهم، فشد منهم رجل فتبعه رجل يريد متاعه، فلما غثيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم، فأوجزه بالسنان فقتله، وأخذ متبعيه، قال: فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل: أقتلته بعد ما قال إني مسلم؟ قال: يا رسول الله: قالها متعوذا. قال: شققت قلبه؟ قال: لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادقا هو أو كاذبا. قال: وكنت عالما ذلك يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما كان يعبر عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه مرتين أو ثلاثة كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا}، أهل الإسلام إلى آخر الآية. قال الحسن: أما والله ما ذاك إلا بكون الأرض تجن من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم ألا يعودوا" (٧).
والخامس: أن القاتل كان محلم بن جثامة بن قيس، والمقتول كان عامر الأشجعى. وهذا قول عبدالله بن ابي حدرد (٨)، وابن عمر (٩).
عن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد , عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعى ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر الأشجعى على قعود له متيع ومعه وطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشىء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} " (١٠).
(١) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٢٠): ص ٩/ ٧٧ - ٧٨. (٢) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٢٨): ص ٣/ ١٠٤٠. (٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٢١٩): ص ٩/ ٧٦ - ٧٧. (٤) أخرجه الطبري (١٠٢٢٠): ص ٩/ ٧٧ - ٧٨. (٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٢٤): ص ٣/ ١٠٣٩. (٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٢٢): ص ٩/ ٧٩. (٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٨٢٤): ص ٣/ ١٠٣٩. (٨) سوف يأتي تخريجه. (٩) أخرجه ابن إسحاق في "المغازي"؛ كما في "فتح الباري" ٨/ ٢٥٩، ومن طريقه الطبري في تفسيره (١٠٢١١): ص ٩/ ٧٢ - ٧٣، عن نافع عن ابن عمر به، وسنده ضعيف؛ ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه. (١٠) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": (١٨٨٥٩): ص ١٤/ ٥٤٧، و"مسنده"؛ كما في "إتحاف الخيرة المهرة: (٧٦٢٩): ص ٨/ ٦٠، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ١٣٣ - معلقاً)، وأحمد (٢٤٣٧٨): ص ٦/ ١١، والطبري (١٠١٢): ص ٩/ ٧٣ - ٧٤، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" ٧٢٩): ص ٢/ ٦٧٩، وابن الجارود في "المنتقى" (٣/ ٧٧٧/٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره": (٥٨٢٦، ٥٨٢٧): ص ٣/ ١٠٤٠، وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (١٦٥٤): ص ٤/ ١٣٦ - ١٣٧ - ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول: ١٧٣ - ١٧٤، والطبراني؛ كما في "مجمع الزوائد" (٧/ ٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (٣/ ١٣٥٨ رقم (٣٤٢٦، ١٦٢٤، ١٦٢٥)، رقم (٤٠٨٨، ٤٠٨٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ١١٥)، و"دلائل النبوة" (٤/ ٣٠٥، ٣٠٦) جميعهم من طريق ابن إسحاق -وهذا في "مغازيه" (٤/ ٢٧٥ - ابن هشام) -: ثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه به. وهذا سند حسن -إن شاء الله-؛ فيه القعقاع؛ روى عنه ثقتان هما: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله، ووثقه ابن حبان في "الثقات" (٣/ ٣٤٩)، بل قال أبو حاتم والبخاري: له صحبة قلنا: ولا يصح، وألمح أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٣٦) إلى أنه ليس من الضعفاء بل ممن يقبل حديثهم. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٣٣)، وزاد نسبته لابن المنذر، وأبي نعيم في "الدلائل"، وعبد بن حميد. وسكت عنه الحافظ في "الفتح" (٨/ ٢٥٩)، وأشار إلى ثبوته بقوله: "وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معاً". وقال شيخه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٨): "رواه أحمد والطبراني؛ ورجاله ثقات". وهذا شاهد لرواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما المتقدمة، ووجه الشبه بينهما كون المقتول من سليم (وأشجع من سليم) ووجود الغنيمات في كل.