أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا من القتل، فكررها علي، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ" (١).
وذكر مقاتل نحو هذه القصة فقال: " وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله. فلما أصبحوا رأوا رجلا يسمى مرداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أهل فدك معه غنيمة له، فلما رأى الخيل ساق غنيمته حتى أحرزها في الجبل- وكان قد أسلم من الليل وأخبر أهله بذلك- فلما دنوا منه كبروا فسمع التكبير فعرفهم فنزل إليهم. فقال: سلام عليكم، إنى مؤمن. فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بنى عبدود، فقال مرداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فطعنه أسامة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه. فلما قدم المدينة أخبر أسامة النبي- صلى الله عليه وسلم. فلامه النبي ملامة شديدة. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- قتلته وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه؟ فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: أفلا شققت عن قلبه فتنظر صدق أم لا؟ قال يا رسول الله: كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده فقال: فلا صدقته بلسانه ولا أنت شققت عن قلبه فيبين لك. فقال: استغفر لي يا رسول الله. قال: فكيف لك بلا إله إلا الله يقول ذلك ثلاث مرات. فاستغفر له النبي- صلى الله عليه وسلم- الرابعة. قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ فأمره النبي- صلى الله عليه سلم- أن يعتق رقبة. قال مقاتل- رحمه الله-: فعاش أسامة زمن أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم- حتى أدرك علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فدعاه علي- رحمه الله- إلى القتال. فقال أسامة: ما أحد أعز علي منك، ولكن لا أقاتل مسلما بعد قول النبي- صلى الله عليه وسلم: كيف لك بلا إله إلا الله؟ فإن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قال السيف: هذا مسلم. وإن ضربت به كافرا، قال لي: هذا كافر، قاتلت معك. فقال له علي: اذهب حيث شئت. فانزل الله- عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله}" (٢). أي: في قتل أسامة مرداس.
والثامن: أن القاتل كان أبو الدرداء، والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول ابن زيد.
عن ابن وهب، قال ابن زيد: " نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله:{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ}، ثم قال في الخبر: ونزل الفرقان: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ}، فقرأ حتى بلغ:{لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا}، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا، {فعند الله مغانم كثيرة}، خير من تلك الغنم، إلى قوله:{إن الله كان بما تعملون خبيرًا}(٣).
قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}[النساء: ٩٤]، أي:" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله"(٤).
قال ابن عباس:" ما في القرآن آية {يا أيها الذين آمنوا}، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه"(٥).
وقال الأعمش عن خيثمة:" ما تقرأون من القرآن {يا أيها الذين آمنوا}، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (٦).
(١) - وفي رواية: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا، فأدركنا رجلا، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي من ذلك شيء، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافة السلاح والقتل. فقال: ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ". - وفي رواية: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ ! قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فمازال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال: فقال سعد: وأنا والله، لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين، يعني أسامة، قال: قال رجل: ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة". أخرجه أحمد (٢٢٠٨٨): ص ٥/ ٢٠٠، و (٢٢١٤٥): ص ٥/ ٢٠٧، والبخاري (٤٢٦٩): ص ٥/ ١٨٣، و (٦٨٧٢): ص ٩/ ٤، ومسلم (١٩٠)، (١٩١): ص ١/ ٦٧ - ٦٨، وأبو داود (٢٦٤٣)، والنسائي في"الكبرى" (٨٥٤٠)، (٨٥٤١). (٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩. (٣) أخرجه الطبري (١٠٢٢٥): ص ٩/ ٨٠. (٤) تفسير الطبري: ٧/ ٥٩. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨٩): ص ٣/ ٧١٨. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩٠): ص ٣/ ٧١٨.