قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: ٤٣]، أي: " وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء" (١).
قال الطبري: أي: " إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين وأنتم جنب" (٢).
قال ابن مسعود: " المريض الذي قد أُرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها" (٣).
قال أبو مالك: " هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم" (٤).
قال مجاهد: " والمرض: أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء" (٥).
قال السدي: " والمرض: هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء، إن أصابه ضرَّ صاحبه، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا" (٦).
قال سعيد بن جبير: " إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم" (٧).
وقال إبراهيم: " من القروح تكون في الذراعين" (٨).
قال الضحاك: " صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها، يتيمم" (٩).
وروي عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي: "أنه سئل عن [قوله]: المجدور تُصيبه الجنابة؟ قال: ذهب فرسان هذه الآية" (١٠).
وقال ابن زيد: " المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء، وليس عنده من يأتيه به، ولا يحبو إليه، تيمم وصلَّى إذا حلَّت الصلاة قال: هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به، لا يترك الصلاة، وهو أعذَرُ من المسافر" (١١).
فتفسير الآية إذن: " وإن كنتم جَرْحى أو بكم قروحٌ، أو كسر، أو علّة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة، وأنتم مقيمون غيرُ مسافرين" (١٢).
وفي قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: ٤٣] ثلاثة أقاويل (١٣):
أحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي.
الثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي.
والثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي.
قوله تعالى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: ٤٣]، أي: " وإن كنتم في حال سفر " (١٤).
(١) التفسير الميسر: ٨٥.
(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٥، وانظر: تفسيره: ١٠/ ٨١ - ٨٢.
(٣) أخرجه الطبري (٩٥٧٠): ص ٨/ ٣٨٦.
(٤) أخرجه الطبري (٩٥٧١): ص ٨/ ٣٨٦.
(٥) أخرجه الطبري (٩٥٧٧): ص ٨/ ٣٨٧.
(٦) أخرجه الطبري (٩٥٧٢): ص ٨/ ٣٨٦.
(٧) أخرجه الطبري (٩٥٧٣): ص ٨/ ٣٨٦.
(٨) أخرجه الطبري (٩٥٧٤): ص ٨/ ٣٨٦.
(٩) أخرجه الطبري (٩٥٧٦): ص ٨/ ٣٨٧.
(١٠) أخرجه الطبري (٩٥٧٩): ص ٨/ ٣٨٧.
قال السيد المحقق: " هكذا في المخطوطة: " عن قوله: المجدور ... " فأثبتها بين القوسين، لأني في شك منها. وأما قوله: " ذهب فرسان هذه الآية "، فإنه مما أشكل على معناه، وربما رجحت أنه أراد أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، كما مضى في الأثر رقم: ٩٥٦٧. فيكون قوله: " ذهب فرسان هذه الآية "، عن ذلك الشطر من الآية " ولا جنبًا إلا عابري سبيل "، وأنهم هم الأنصار من أصحاب رسول الله، الذين كانت أبوابهم في المسجد، وقد مضوا، لم يبق اليوم منهم أحد. هذا غاية اجتهادي، وفوق كل ذي علم عليم".
قلت: ربما أراد سفيان أن السياق كان خاصا بهؤلاء الفرسان، وأما الحكم فباق. والله تعالى أعلم.
(١١) اخرجه الطبري (٩٥٧٩): ص ٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(١٢) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٨.
(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٩٠.
(١٤) التفسير الميسر: ٨٥.