عبيدة (١)، وعكرمة (٢)، وأبي الضحى (٣)، ويزيد بن أبي حبيب (٤)، وسعيد بن جبير في رواية اخرى عنه (٥)، واختاره الطبري (٦) وهو قول الجمهور (٧).
قال ابن كثير: "وهذا الذي نصره [الطبري] هو قولُ الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا " (٨).
والراجح-والله اعلم- أن معنى قوله: {ولا جنبًا إلا عابري سبيل}: "إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عَدِم الماء وهو جنب في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، فكان معلومًا بذلك أن قوله {ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، لو كان معنيًّا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك" (٩).
وقد سبق الإشارة في سبب نزول الآية "أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا جنبًا إلا عابري سبيل} " (١٠).
وقد ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سُدُّوا كل خَوخة في المسجد إلا خَوخةَ أبي بكر" (١١).
قال ابن كثير: " ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه؛ إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث. ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخُمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك» (١٢). ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم" (١٣).
وقوله: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجدِ حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة (١٤).
وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجدِ، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، أخرج سعيد بن منصور عن عطاء بن يَسَار قال: "رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة" (١٥) (١٦).
(١) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٢): ص ٨/ ٣٨٤.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٣): ص ٨/ ٣٨٤.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٤): ص ٨/ ٣٨٤.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦٧): ص ٨/ ٣٨٤.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٩٥٦١): ص ٨/ ٣٨٤.
(٦) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.
(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.
(٩) تفسير الطبري: ٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(١٠) تفسير الطبري (٩٥٦٧): ص ٨/ ٣٨٤.
(١١) صحيح البخاري برقم (٢٩٨)، قال ابن كثير: قال ابن كثير: " وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، علما منه أن أبا بكر، رضي الله عنه، سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه، رضي الله عنه. ومن روى: "إلا باب علي" كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصحيح. ما ثبت في الصحيح". [انظر: تفسيره: ٢/ ٣١١].
(١٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٨) ومن حديث أبي هريرة برقم (٢٩٩) ..
(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.
(١٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.
(١٥) التفسير من سنن سعيد بن منصور (٦٤٦): ص ٤/ ١٢٧٥. قال ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٣١٣: " وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم".
(١٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٣.