قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: ١٦٩]، " أي: لا تظنَّن الذين استشهدوا في سبيل الله لإِعلاء دينه أمواتاً لا يُحسّون ولا يتنعمون" (١).
قال الطبري: أي: " لا تظنن الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون" (٢).
قال محمد بن إسحاق: "ثم قال الله لنبيه يرغب المؤمنين في ثواب الجهاد، ويهون عليهم القتل: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}، أي: لا تظن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا" (٣).
عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}، يعني: في طاعة الله في جهاد المشركين" (٤).
روي عن أبي الضحى "في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا}، قال: نزلت في قتلى أحد خاصة، استشهد من المهاجرين أربعة وعشرون: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، واستشهد من الأنصار ستة وأربعون" (٥).
وذكروا في قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: ١٦٩]، وجوها (٦):
أحدها: قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأحد وببدر: إنهم ماتوا؛ فأنزل الله - عز وجل -: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} وبأحد وبدر (أمواتا) كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم.
الثاني: وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبدا ولا يبعث؛ فقال - عز وجل -: بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى.
الثالث: وقيل: إن العرب كانت تسمي الميت: من انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم يبق له أحد يذكر به؛ فقالوا: إذا قتل هؤلاء ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر الله - عز وجل - أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم.
وروى هشام عن أهل الشام: {يحسبن}، بالياء، وقرأ الحسن وابن عامر: {الذين قتلوا} مشددا، وقرأ ابن أبي عبلة: أحياء نصبا أي أحسبهم أحياء عند ربهم (٧).
قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: ١٦٩]، "أي: بل هم أحياء عند ربهم متنعمون في جنان الخلد يرزقون" (٨).
قال الطبري: أي: " فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي" (٩).
قال سعيد بن جبير: " يعني: أرواح الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون" (١٠).
قال محمد بن إسحاق: "قوله: {أمواتا بل أحياء}، أي: قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه" (١١).
أخرج عبدالرزاق عن معمر عن قتادة، قال: "بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة, قال معمر: وقال الكلبي: "في صور طير خضر تسرح في الجنة , وتأوي إلى القناديل تحت العرش" (١٢).
(١) صفوة التفقاسير: ٢٢٣.
(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٤.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨٨): ص ٣/ ٨١٢.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٠): ص ٣/ ٨١٢.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٨٩): ص ٣/ ٨١٢.
(٦) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٢٨.
(٧) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٣/ ٩٨، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٨) صفوة التفقاسير: ٢٢٣.
(٩) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٤.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٢): ص ٣/ ٨١٣.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٢): ص ٣/ ٨١٣.
(١٢) تفسير عبدالرزاق (٤٨١): ص ١/ ٤٢٢.