للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، عليهم رزقهم بكرة وعشيا" (١).

وعن مجاهد: "قوله: {يرزقون}، قال: إن كان يقول: يرزقون من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها" (٢).

قال الزجاج: " المعنى أحسبهم أحياء وقيل في هذا غير قول: قال بعضهم لا تحسبهم أمواتا في دينهم بل هم أحياء في دينهم، كما قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} (٣).

وقال بعضهم: لا تحسبهم كما يقول الكفار إنهم لا يبعثون بل يبعثون، {بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله}.

وقيل: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلذ بنعيمها، فهم أحياء عند ربهم.

قال بعضهم: أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تصير إلى

قناديل تحت العرش" (٤).

قال الثعلبي: " أي أحسبهم أحياء عند ربهم.

وقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة (٥).

وقيل: [في العالم] وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل (٦):

موت التقي حياة لا فناء لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء

وقيل: مما هم أحياء: عند ربهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء.

وقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله: {كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا} (٧) الآية.

وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء.

وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض، يقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن.

وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة.

وقيل: سموا أحياء لأنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زملوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك» (٨).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٤): ص ٣/ ٨١٣.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٤٩٥): ص ٣/ ٨١٣.
(٣) سورة الأنعام: ١٢٢.
(٤) معاني القرآن: ١/ ٤٨٨.
(٥) وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، انظر: تفسير مجمع البيان: ١/ ٤٣٧.
(٦) من شواهد الثعلبي في تفسيره: ٣/ ٢٠٤، والقرطبي في تفسيره: ٤/ ٢٦٩.
(٧) سورة المائدة: ٣٢.
(٨) أخرج النسائي والديلمي وغيرهما عن عبدالله بن ثعلبة بن أبي صعير، قال -صلى الله عليه وسلم-: " زملوهم فى ثيابهم بدمائهم فإنه ليس من كلم يكلم فى الله إلا هو يأتى يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك". سنن النسائى (٦/ ٢٩، رقم ٣١٤٨). والديلمى (٢/ ٢٩٤، رقم ٣٣٤٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>