قال أبو عليّ: "من قرأ {فَنِعِمَّا}، بسكون العين من (فَنِعِمَّا) لم يكن قوله مستقيما عند النحويين، لأنّه جمع بين ساكنين، الأول منهما ليس بحرف مدّ ولين، والتقاء الساكنين عندهم إنّما يجوز إذا كان الحرف الأول منهما حرف لين، نحو: دابّة وشابّة، وتمودّ الثوب، وأصيم (١)، لأنّه ما في الحروف من المدّ يصير عوضاً من الحركة، ألا ترى أنّه إذا صار عوضاً من الحرف المتحرك المحذوف من تمام بناء الشعر عندهم، فأن يكون عوضاً من الحركة أسهل.
وقد أنشد سيبويه شعراً قد اجتمع فيه الساكنان (٢)، على حدّ ما اجتمعا في (فَنِعِمَّا) في قراءة من أسكن العين وهو (٣):
كأنّه بعد كلال الزاجر ... ومسحي مرّ عقاب كاسر
وأنكره أصحابه (٤)، ولعل أبا عمرو أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو:{بارِئِكُمْ}[البقرة: ٥٤]، و {َيَأْمُرُكُمْ}[البقرة: ٦٧] فظنّ. السامع الإخفاء إسكاناً للطف ذلك في السّمع وخفائه.
وأمّا من قرأ:{فَنِعِمَّا}، فحجّته أنّه أصل الكلمة نعم، ثم كسر الفاء من أجل حرف الحلق. ولا يجوز أن يكون ممن قال: نعم، فلمّا أدغم حرّك، كما يقول:{يَهْدِي}[يونس: ٣٥]، ألّا ترى أنّ من قال: هذا قدّم مالك، فأدغم، لم يدغم نحو قوله: هذا قدم مالك، وجسم ماجد، لأنّ المنفصل لا يجوز فيه ذلك كما جاز في المتصل قال سيبويه: أمّا قول بعضهم في القراءة: فَنِعِمَّا، فحرك العين، فليس على لغة من قال: نعم ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نعم فحرك العين. وحدّثنا أبو الخطاب (٥): أنّها لغة هذيل، وكسر، كما قال: لعب. ولو كان الذي يقول: نعمّا ممن يقول في الانفصال: نعم لم يجز الإدغام على قوله، لما يلزم من تحريك الساكن في المنفصل. وأمّا من قال:{فَنِعِمَّا} فإنّما جاء بالكلمة على أصلها، وهو نعم كما قال (٦):
ما أقلّت قدماي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ
(١) قوله: تمود لم ترد في المعاجم وأوردها سيبويه ٢/ ٤٠٧ والرضي في شرح الشافية ٢/ ٢١٢ وأصيم: تصغير أصمّ. (٢) وقد ردّ ابن جني في سر صناعة الإعراب والمحتسب على من ظن أن سيبويه جمع بين الساكنين فقال: «قال سيبويه كلاماً يظن به في ظاهره أنه أدغم الحاء في الهاء، بعد أن قلب الهاء الحاء، فصار في ظاهر قوله: «مسحّ». واستدرك أبو الحسن ذلك عليه وقال: إن هذا لا يجوز إدغامه؛ لأنّ السين ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين. فهذا لعمري تعلق بظاهر لفظه، فأمّا حقيقة معناه؛ فلم يرد محض الإدغام وإنّما أراد الإخفاء؛ فتجوّز بذكر الإدغام، وليس ينبغي لمن قد نظر في هذا العلم أدنى نظر أن يظن سيبويه ممن يتوجه عليه هذا الغلط الفاحش حتى يخرج فيه من خطأ الإعراب إلى خطأ الوزن. لأنّ هذا الشعر من مشطور الرجز، وتقطيع الجزء الذي فيه السين والحاء: «ومس حهي» مفاعلن، فالحاء: بإزاء عين مفاعلن، فهل يليق بسيبويه أن يكسر شعراً، وهو من ينبوع العروض، وبحبوحة وزن التفعيل؟ ! » ا. هـ. (من سرّ الصناعة ١/ ٦٦). (٣) البيت من شواهد سيبويه ٢/ ٤١٣ على إدغام الهاء في الحاء في كلمة «مسحي» كما جاء رسمها في الكتاب، وأصله: «مسحه» وفي سرّ صناعة الإعراب ص ٦٥ والمحتسب ١/ ٦٢. قال الأعلم: يريد- سيبويه- أنّه أخفى الهاء عند الحاء في قوله: «مسحه» وسماه إدغاما لأنّ الإخفاء عنده ضرب من الإدغام، ولا يجوز الإدغام في البيت لانكسار الشعر. وكذلك بيّنه ابن جني. (٤) من أمثال أبي الحسن الأخفش الذي ذكره ابن جني. (٥) هو الأخفش الأكبر. (٦) البيت من شواهد التبريزي في شرح الحماسة ٢/ ٨٥ لطرفة برواية المصنف، وعجزه في شرح الكافية ٤/ ٢٣٩، وفي سيبويه ٢/ ٤٠٨ برواية: ما أقلّت قدم ناعلها ... نعم الساعون في الحي الشّطر ونقله ابن جني عن شيخه أبي علي في المحتسب ١/ ٣٤٢، ٣٥٧ والخصائص ٢/ ٢٢٨ برواية: ما أقلت قدمي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ ورواية البيت في: ديوان طرفة: ٧٢: حالتي والنفس قدما إنّهم ... نعم الساعون في القوم الشطر وقد استوفى الكلام على الشاهد البغدادي في خزانة الأدب ٤/ ١٠١. وفي اللسان (برر). المبرّ: الغالب، من أبرّه يبرّه: إذا قهره بفعال أو غيره.