وقال القاسمي:"قال كثيرون: الحكمة إتقان العلم والعمل. وبعبارة أخرى معرفة الحق والعمل به، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولبّ وإصابة رأي. وهي في هذا الموضع في معنى الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي محكم. وهو فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى:{فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}[الدخان: ٤] "(١).
قال ابن عثيمين:"و {الحكمة} مِن أحكم بمعنى أتقن؛ وهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وتستلزم علماً، ورشداً، فالجاهل لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة؛ والسفيه لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة"(٢).
وقال الطبري:(الحكمة): من (الحكم) وفصل القضاء، وأنها الإصابة ... وإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة. وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره مفهما خاشيا لله فقيها عالما، وكانت النبوة من أقسامه، لأن الأنبياء مسددون مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في بعض الأمور، " والنبوة " بعض معاني (الحكمة)" (٣).
وقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولاً في تعريف الحكمة (٤)(٥)، وعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: "الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه".
فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلاناً لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبين الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهماً، خاشياً للَّه، فقيهاً، عالماً، عاملاً بعلمه، ورعاً في دينه ... والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام - مسددون، مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (٦).
قوله تعالى:{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}[البقرة: ٢٦٩]، "أي: من يعطه الله سبحانه وتعالى الحكمة فقد أعطاه خيراً كثيراً" (٧).
(١) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩. (٢) تفسير ابن عثيمن: ٣/ ٣٥١. (٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٧٩. (٤) انظر: تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف، أبو حيان الأندلسي، ٢/ ٣٢٠. (٥) انظر: تفسير مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية في المصادر التالية: جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦٠، ٦١، وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري المطبوع بهامش تفسير الطبري، ١/ ٤١٣، وتفسير البغوي، ١/ ٢٥٦، ١/ ١١٦، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، ١/ ٣٢٤، ١/ ١٤٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ٢/ ١٣١، ٣/ ٦٠، ٦١، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ١/ ١٨٤، ١/ ٣٢٣، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي، ١/ ٣٨٧، ٣/ ٤١، وفتح القدير للشوكاني، ١/ ٢٨٩، ١/ ١٤٤، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، ١/ ٤٧٢، ٢/ ٢٩، ٣/ ٧٥، ٣/ ٢٦٣، وتفسير المراغي، ١/ ٢١٤، ٢/ ١٩، ٣/ ٤١، وتفسير السعدي، ١/ ١٧٣، ١/ ٢٩٠، ٦/ ١٥٤، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، ١/ ٣١٢، ١/ ١٣٩، ٣٩٩، ٢/ ٩٩٧، وصفوة المفاهيم والآثار لعبد الرحمن الدوسري، ٢/ ٣٦٠، ٤١٦، ٣/ ٤٩٨، ٤٩٩، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٦/ ٦٦، ٦٧، ٩/ ٢٢/ ٢٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٩/ ١٧٠، ومدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٧٨، ٤٧٩، والتفسير القيم لابن القيم، ص ٢٢٧، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، ١/ ٦٧، ٧٠، ٦/ ٥٣١، ٧/ ١٠٠، ١٠/ ٥٢٢، ٥٢٩/ ٥٤٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٧/ ٣٣، ٦/ ٩٨، ١٥/ ١٢، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٨٢، ٧/ ٥٨، ١٠/ ٣٢٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٣٥٤، ٣٥٥. (٦) انظر: تفسير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦١. (٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥١.