قال مكحول:"إن القرآن جزء من اثنين وسبعين جزءا من النبوة، وهو الحكمة التي قال الله:{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} "(١).
قال الزمخشري:" و {خَيْراً كَثِيراً} تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتى أىّ خير كثير"(٢)(٣).
قال أبو حيان:" وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها"(٤).
قال القاسمي:"وفي إيلاء هذه الآية لما قبلها إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله الحكمة"(٥).
قال القرطبي:" يقال: إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك: "{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}[الإسراء: ٨٥]، وسمى هذا خيرا كثيرا، لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وسمى العلم والقرآن {خَيْراً كَثِيراً}" (٦).
قال ابن عثيمين: " فإن قال قائل: ما وجه اختلاف التعبير بين قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء}، وقوله تعالى:{ومن يؤت الحكمة}؟
فالجواب: - والله أعلم - أن الحكمة قد تكون غريزة؛ وقد تكون مكتسبة؛ بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلاً عن الناس؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعم كل طرق الحكمة التي تأتي - سواء أوتي الحكمة من قبل الله عز وجل، أو من قِبل الممارسة والتجارب؛ على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب" (٧).
وقوله تعالى:{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ}[البقرة: ٢٦٩]، فيه ثلاثة قراءات (٨):
الأولى: قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهو ضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣٩): ص ٢/ ٥٣٤. (٢) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦. (٣) اعترض عليه أبو حيان قائلا: " وهذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم، ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره، أي خير كثير، إنما هو على أن يجعل خير صفة لخير محذوف، أي: فقد أوتي خيراً، أي خير، كثير. ويحتاج إلى إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب، وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي، فإنما تضاف للفظ مثل الموصوف، تقول: مررت برجل أي رجل كما قال الشاعر [الدر المصون: ٢/ ٦٠٦، وهمع الهوامع: ١/ ٩٢، والدر اللوامع: ١/ ٧٠]: دعَوْتُ امْرَأً أَيَّ امْرِئٍ فَأَجَابَنِي ... وَكُنْتُ وَإِيَّاهُ مَلاذاً وَمَوْئِلاً وإذا تقرر هذا، فهل يجوز وصف ما يضاف إليه؟ أي: إذا كانت صفة، فتقول: مررت برجل أيّ رجل كريم، أو لا يجوز؟ يحتاج جواب ذلك إلى دليل سمعي، وأيضاً ففي تقديره: أي خير كثير، حذف الموصوف وإقامة أي الصفة، ولا يجوز ذلك إلاّ في ندور، لا تقول: رأيت أي رجل، تريد رجلاً، أي رجل إلاّ في ندور نحو قول الشاعر [ديوان الفرزدق: ١/ ٤١٧]: إذا حارب الحجّاج أيّ منافق ... علاه بسيف كلّما هزّ يقطع يريد: منافقاً، أي منافق، وأيضاً: ففي تقديره: خيراً كثيراً أيّ كثير، حذف أي الصفة، وإقامة المضاف إليه مقامها، وقد حذف الموصوف به، أي: فاجتمع حذف الموصوف به وحذف الصفة، وهذا كله يحتاج في إثباته إلى دليل". [البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢]. (٤) البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢. (٥) محاسن التأويل: ٢/ ٢٠٩. (٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١. (٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٥١. (٨) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٢، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٣١.