أخرج الطبري بسنده " عن قتادة قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} فقرأ حتى بلغ: {على شيء مما كسبوا}، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاةَ الحجرَ ليس عليه شيء، أنقى ما كان عليه"(١).
وروي نحوه عن الربيع (٢)، والسدي (٣)، والضحاك (٤)، وابن عباس (٥)، وابن جريج (٦)، وابن يد (٧).
قال الشوكاني:" مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضا منبتة طيبة فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا أي أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه فكذلك هذا المرائي فإن نفقته لا تنفعه كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب"(٨).
و(الوابل): المطر الشديد (٩) العظيم (١٠)(١١)، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (١٢)، كما قال أمرؤ القيس (١٣):
قال الأخفش:" وقوله {أخذا وبيلا}[المزمل: ١٦]، من ذا، يعني: شديدا"(١٤).
قال القرطبي:" وضرب وبيل، وعذاب وبيل أي شديد"(١٥).
و(الصَّلْد): الأملسُ اليابس (١٦)، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي:" قِدْرٌ صَلود "، " وقد صَلدت تصْلُدُ صُلودًا، ومنه قول تأبط شرًّا (١٧):
(١) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٠): ص ٥/ ٥٢٦ - ٥٢٧. (٢) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤١): ص ٥/ ٥٢٧. (٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٢): ص ٥/ ٥٢٧. (٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٣): ص ٥/ ٥٢٧. (٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٤): ص ٥/ ٥٢٧. (٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٥): ص ٥/ ٥٢٧. (٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٤٦): ص ٥/ ٥٢٨. (٨) فتح القدير: ١/ ٢٨٥. (٩) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣١١. (١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٢٤. قال: " وهو المطر الشديد العظيم". (١١) أخرج ابن أبي حاتم (٢٧٤٨) ص ٢/ ٥١٨: " عن عكرمة، في قوله: فأصابه وابل والوابل: المطر فذهب بما عليه، وروي عن وهب بن منبه والسدى وعطاء الخرساني والحسن والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة نحو ذلك، غير أن الربيع بن أنس وقتادة قالا: المطر الشديد". (١٢) ينظر في وبل: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٢٩، "المفردات" ٥٢٦، "اللسان" ٨/ ٤٧٥٥ (مادة: وبل). (١٣) ديوانه: ٩٠، وطبقات فحول الشعراء: ٧٩، وغيرهما كثير. وهو من أبيات روائع، في صفة المطر والسيل أولها: دِيَمةٌ هَطْلاءُ فِيهَا وَطَفٌ ... طَبَقَ الأَرْضِ تَحَرَّي، وَتَدِرّْ ثم قال بعد قليل: " ساعة " أي فعلت ذلك ساعة، " ثم انتحاها " أي قصدها، والضمير فيه إلى " الشجراء " في بيت سباق. و " ساقط الأكناف "، قد دنا من الأرض دنوًّا شديدًا، كأن نواحيه تتهدم على الشجراء. " منهمر ": متتابع متدفق. واقرأ تمام ذلك في شرح الطبقات. (١٤) معاني القرآن: ١/ ٢٠٠. (١٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٣. (١٦) قال النقاش: "الأصلد: الأجرد بلغة هذيل". [تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٣]. (١٧) ثابت بن جابر بن سفيان الفهمي أبو زهير، من شعراء الصعاليك، وأحد لصوص العرب المغيرين، اشتهر بسرعة العدو حتى إن الخيل لا تلحقه، وسمي تأبط شرًّا؛ لأنه تأبط سيفا وخرج، فقيل لأمه: أين هو؟ فقالت: تأبط شرا وخرج، وقيل غير ذلك. ينظر "الشعر والشعراء" ١/ ٩٣، "وسمط اللالي" ١/ ١٥٨. والبيت في اللسان (جلب) (عزل)، وغيرهما، الجلب (بكسر الجيم أو ضمها وسكون اللام): هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل، ويقال أيضًا: هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. ورواية الطبري في المخطوطة تقتضي المعنى الأول: والقرة (بكسر القاف) والقر (بضمها): البرد الشديد، يقول: لست امرءًا خاليا من الخير، بل مطيفًا بالأذى، كهذا السحاب المخيل المتراكم، مخيف برعده، ويلذغ ببرده، ولا غيث معه. أما رواية اللسان وغيره، فشرحها على معنى السحاب الرقيق جيد. وقوله: " أعزل " من " عزل الشيء يعزله " إذا نحاه جانبًا وأبعده، كما سموا الزمل المنقطع المنفرد المنعزل " أعزل "، فهو من صميم مادة اللغة، وإن لم يأتوا عليه في كتب اللغة بشاهد. وهذا شاهده بلا شك. أما قوله في الرواية الأخرى " معزل " فهو بمعنى ذلك أيضًا: معتزل عن الخير، أو معزول عنه. وهو مصدر ميمي من ذلك، جاء صفة، كما قالوا: " رجل عدل "، وكما قالوا " فلان شاهد مقنع " أي رضا يقنع به، مصدر ميمي من " قنع "، وهذا بيان لا تجده في كتب اللغة فقيده واحفظه. [انظر: حاشية الطبري: ٥/ ٥٢٥]. (٦) البيت في "ديوانه" ١٧٤، وفي "تفسير الطبري" ٣/ ٦٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٧٧، "لسان العرب" ٥/ ٢٩٣٠ (عزل) والجلب: هو السحاب المعترض، تراه كأنه جبل، والمعنى: لست برجل لا نفع فيه، ومع ذلك فيه أذى كالسحاب الذي فيه ريح وقِرٌّ، ولا مطر فيه. ينظر "لسان العرب" ٢/ ٦٤٩ (جلب).