القراءة الثالثة: بتشديد (الراء) مع (ضم) أوله (كسره) من: صَرَّه يصِرُّه، إذا جمعه (١).
القراءة الرابعة: ونقل أبو البقاء (٢): تثليث (الراء) في هذه القراءة (٣).
قال ابن حجر:"وهي شاذة"(٤).
والراجح هو قول البصريين، بأن معنى الضم في (الصاد) من قوله: {فصرهن إليك} والكسر، سواء بمعنى واحد - وأنهما لغتان، معناهما في هذا الموضع: فقطعهن - وأنّ معنى " إليك " تقديمها قبل " فصرهن "، من أجل أنها صلة قوله:{فخذ}، وذلك " لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله: {فصرهن} غير خارج من أحد معنيين: إما " قطِّعهن "، وإما " اضْمُمْهن إليك "، بالكسر قرئ ذلك أو بالضم. ففي إجماع جميعهم على ذلك على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين، أعني الكسر والضم أوضح الدليل على صحّة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحويي الكوفيين; لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله:{فصرهن} بمعنى فقطعهن، على أنّ أصل الكلام " فاصرهن "، ثم قلبت فقيل: " فصِرْهن " بكسر " الصاد "، لتحول " ياء "، " فاصرهن " مكان رائه، وانتقال رائه مكان يائه، لكان لا شكّ - مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم - قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده، وبينه إذا قرئ بضمها، إذ كان غير جائز لمن قلب " فاصِرهن " إلى " فصِرهن " أن يقرأه " فصُرْهن " بضم " الصاد "، وهم، مع اختلاف قراءتهم ذلك، قد تأولوه تأويلا واحدًا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا. ففي ذلك أوضحُ الدليل على خطأ قول من قال: إن ذلك إذا قرئ بكسر " الصاد " بتأويل: التقطيع، مقلوب من: " صَرِي يَصْرَى " إلى " صار يصير " وجهل من زعم أن قول القائل: " صار يصور "، و " صار يصير " غير معروف في كلام العرب بمعنى: قطع"(٥).
وعلى القول المختار وهو قول البصريين (٦)، فإن في تفسير {فَصُرْهُنَّ}، سة أقاويل:
والثاني: قَطِّعْهُن، قاله ابن عباس (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والحسن، وأبي مالك (١١)، وعكرمة (١٢)، ومجاهد (١٣)، وقتادة (١٤)، والضحاك (١٥)، والسدي (١٦)، والربيع (١٧)، وابن إسحاق (١٨)، وأبو أسود الدؤلي (١٩).
(١) أي: (فَصُرَّهُنَّ) و (فَصِرَّهُنَّ)، انظر المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني: ١/ ١٣٦، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٠٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٣٢. (٢) هو: أبو البقاء محب الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي الحنبلي الضرير، صاحب الإعراب، مقرئ فقيه مفسر فرضي لغوي، كان كثير المحفوظ، ديناً حسن الأخلاق متواضعاً. توفي عام: ٦١٠ هـ، له تصانيف شهيرة منها: تفسير القرآن، وإملاء ما من به الرحمن، وإعراب الشواذ، وعدُّ الآي، وإعراب الحديث. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٢٢/ ٩١، إنباه الرواة للقفطي: ٢/ ١١٦، الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب: ٢/ ١٠٩، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢٣١. (٣) إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ١١١. (٤) الفتح: ٨/ ٤٩. (٥) تفسير الطبري: ٥/ ٥٠١. (٦) بأن معناه متفق ولفظهما مختلف. (٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٢) و (٦٠٠٣): ص ٥/ ٥٠٣. (٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٤): ص ٥/ ٥٠٣. (٩) انظر: تفسير الطبري (٥٩٩٤) و (٥٩٩٥) و (٥٩٩٦): ص ٥/ ٥٠٢، وابن ابي حاتم (٢٧٠٦) و (٢٧٠٧): ص ٢/ ٥١١، وابن ابي حاتم (٢٧١١): ص ٢/ ٥١٢، كما أخرجه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٧٢ - ٩٧٣ رقم: ٤٤٣، والبيهقي في البعث والنشور: ١/ ٢٢ رقم: ١١، وذكره السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٥٩٣ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. (١٠) أنظر: تفسير الطبري (٥٩٩٩): ص ٥/ ٥٠٢ - ٥٠٣، وتفسير ابن ابي حاتم (٢٧١٢): ص ٢/ ٥١٢. (١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٩٨): ص ٥/ ٥٠٢. (١٢) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٠): ص ٥/ ٥٠٣. (١٣) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠١): ص ٥/ ٥٠٣. (١٤) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٥): ص ٥/ ٥٠٣. ولفظه"فمزقهن". (١٥) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٦): ص ٥/ ٥٠٣. قال: " وهو بالنبطية (صرّى)، وهو التشقيق". (١٦) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٧): ص ٥/ ٥٠٤. (١٧) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٨): ص ٥/ ٥٠٤. (١٨) انظر: تفسير الطبري (٦٠٠٩): ص ٥/ ٥٠٤. (١٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٠٨): ص ٢/ ٥١١.