للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واختلف في (الضم) و (الكسر) على قولين (١):

أحدهما: أن معناه متفق ولفظهما مختلف.

فقال نحويو البصرة: {فصرهن إليك} سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معنيٌّ به في هذا الموضع التقطيع. قالوا: وهما لغتان: إحداهما: " صار يصور "، والأخرى: " صَار يصير "، واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل (٢)، وببيت المعلَّى بن جَمَّال العبدي (٣):

وَجَاءَت خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُورُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ

بمعنى: يفرِّق عنوقها ويقطعها، وببيت خنساء (٤):

لَظَلَّتْ الشُّمُّ مِنْهَا وَهْيَ تَنْصَارُ

يعني بالشم: الجبال، أنها تتصدع وتتفرق، وببيت أبي ذؤيب (٥):

فَانْصَرْنَ مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُرُوجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ

قالوا: فلقول القائل: " صُرْت الشيء "، معنيان: أملته، وقطعته. وحكوا سماعًا: " صُرْنا به الحكم ": فصلنا به الحكم (٦).


(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) وهو قوله [تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧]:
فَلَمَّا جَذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا
فَأَدْنَتْ لِيَ الأسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَا ... بِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨١ وأمالي القالي ٢: ٥٢، والتنبيه: ٩٣، وسمط اللآلي: ٦٨٥، ٦٨٦، ثم في لسان العرب (ظأب) (ظاب) (صور) (دهس) (خلع) (صوع) (عنق) (زنم)، وفي كتب أخرى، ويأتي البيت منسوبًا لأوس بن حجر هكذا: يَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمٌ ... لَهُ ظَأْب كمَا صَخِبَ الغرِيمُ
وهو بيت ملفق، وصواب رواية الشعر مادة (زنم) من اللسان: وجَاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُوعُ عُنُوقَهَا أَحْوَى زَنِيمُ
يُفَرِّقُ بَيْنَهَا صَدْعٌ رَبَاعٌ ... لَهُ ظَأْبٌ كَما صَخِبَ الغَرِيمُ
الخلعة بكسر الخاء وضمها: خيار المال، يعنى المعزي التي سيقت إليه، كانت كلها خيارًا. والدهس جمع دهساء: وهي من المعزى، السوادء المشربة حمرة لا تغلو. وقوله: " يصوع " هذه الرواية أخرى بمعنى يفرق. وذلك إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل في الشاء صاعها، أي فرقها إذا أراد سفادها. والتيس إذا أرسل في الشاء صاعها، أي فرقها إذا أراد سفادها. وعنوق جمع عناق: وهي أنثي المعز. وهو جمع عزيز. والأحوى: الذي تضرب حمرته إلى السواد، يعنى تيس المعز، ويعنى أنه كريم. والزنيم: الذي له زنمتان في حلقة. والصدع (بفتح الصاد وسكون الدال أو فتحها): وهو الفتى الشاب المدمج الخلق، الصلب القوي. ورباع: أي دخل في السنة الرابعة، وذلك في عز شبابه وقوته. وظأب التيس: صوته وجلبته وصياحه وصخبه، وهو أشد ما يكون منه عند السفاد. والغريم: الذي له الدين على المدين، ويقال للمدين غريم. يقول: إذا أراد سفادها هاج وفرقها، وكان له صخب كصخب صاحب الدين على المدين الذي يماطله ويماحكمه ويلويه دينه.
(٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٨١ ومصراع الخنساء ليس في ديوانها، وهو في الأضداد للأصمعي وابن السكيت ص ٣٣ - ١٨٧ وللأنباري ٢٣ وتفسير الطبري ٣/ ٥٤ والغريبين واللسان/ صور/ وصدر البيت «كما في البحر المحيط ٢/ ٣٠٠: فلو يلاقي الذي لاقيته حضن
(٥) ديوانه: ١٢ المفضليات: ٨٧٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٨١، والأضداد للأصمعي وابن السكيت ٣٣، ١٨٧. وهذه الرواية التي رواها أبو عبيدة والأصمعي وابن السكيت والطبري " فانصرن "، رواية غربية، وهي في سياقه الشعر أغرب. وأنا أنكر معناها وأجده مخلا بالشعر. وذلك أن سياقه في صفة ثور الوحش، ثور من قد تقضى شبايه، لم تزل كلاب القناص تروعه حتى شعفت فؤاده. فإذا أصبح الصباح داخله الفزع خشية أن يباكره صياد بكلا به. فهو لا يزال يرمي بعينه في غيوب الأرض ثم يغضي ليتسمع، فيصدق سمعه ما يرى. وهو عندئذ واقف في الشمس يتشمس من ندى الليل، فيقول أبو ذؤيب: فَغَدَا يُشَرِّقُ مَتْنَهُ، فَبَدَا لَهُ ... أُولَى سَوَابِقِها قَرِيبًا تُوزَعُ
يقول: بدت له طلائع الكلاب قد دنت منه، والقناص يكفها حتى يرسلها جميعا عليه. فَاهْتَاجَ من فَرَعٍ، وسَدَّ فُرُوجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ: وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ
يقول هاجه الفزع فعدا عدوًا شديدًا والكلاب من خلفه وحواليه قد أخذت عليه مذهبه. ويروى " فانصاع من فزع " أي ذهب في شق. والغبر الضواري: هي كلاب الصياد، " منها وافيان ": كلبان سالما الأذنين. والأجدع: مقطوع الأذن. إما علامة له، وإما من طول ممارسته لصيد الثيران وضربها له بقرونها حتى انقطعت آذانه.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٤ - ٥٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>