للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عَفَائِفُ إِلا ذَاكَ أَوْ أَنْ يَصُورَهَا ... هَوًى، والْهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ

يعني بقوله: (أو أن يصورها هوى)، يميلها (١).

فمعنى قوله: {فصُرْهن إليك} اضممهن إليك ووجِّههن نحوك، كما يقال: " صُرْ وجهك إليّ "، أي أقبل به إليّ، ومن وَجَّه قوله: {فصرهن إليك} إلى هذا التأويل، كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكرُه استغناءً بدلالة الظاهر عليه. ويكون معناه حينئذ عنده: قال: {فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك}، ثم قطعهن، (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا}.

وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم (الصاد): قطِّعهن، كما قال توبة بن الحميِّر (٢):

فَلَمَّا جَذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسُوعُهُ ... بِأَطْرَافِ عِيدَانٍ شَدِيدٍ أُسُورُهَا

فَأَدْنَتْ لِيَ الأسْبَابَ حَتَّى بَلَغْتُهَا ... بِنَهْضِي وَقَدْ كَادَ ارْتِقَائِي يَصُورُهَا

يعني: يقطعها.

وإذا كان ذلك تأويل قوله: {فصرهن}، كان في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إليك فصِرهن ويكون {إليك} من صلة {خذ} (٣).

القراءة الثانية: وقرأ جماعة من أهل الكوفة: {فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ}، بالكسر، بمعنى: قطعهن (٤).

وقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون: {فصُرهن} ولا {فصرهن} بمعنى: قطعهن، في كلام العرب - وأنهم لا يعرفون كسر (الصاد) و (ضمها) في ذلك إلا بمعنى واحد، وأنهما جميعًا لغتان بمعنى (الإمالة) وأن كسر (الصاد) منها لغة في هذيل وسليم، وأنشدوا لبعض بني سليم (٥):

وَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... عَلَى الِّليتِ قِنْوَانُ الكُرُوم الدَّوَالِح

قال أبو علي: "فمعنى هذا يميل الجيد من كثرته" (٦).

ومثل هذا قول الآخر (٧):

وقامت ترائيك مغدودنا ... إذا ما ما تنوء به آدها

قال أبو علي: " فقد ثبت أنّ الميل والقطع، يقال في كلّ واحد منهما" (٨).


(١) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٢) البيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٥/ ٤٩٧.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩٤ - ٤٩٧.
(٤) قراءة حمزة (فَصِرْهُنَّ) قرأ بها أيضاً أبو جعفر وخلف ورويس عن يعقوب من العشرة، انظر: النشر لابن الجزري: ٢/ ٢٣٢، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١/ ٤٥٠، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١١٨، المهذب في القراءات العشر د. محمد سالم محيسن: ١/ ١٠٢، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة للقاضي: ٥٢. وقراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب متصلة الإسناد بابن عباس. انظر: الإقناع لابن الباذش: ١/ ٧٤ - ١٠٢، الغاية لابن مهران: ٢٤ - ٦٨، إتحاف فضلاء البشر للبنا: ١٩ - ٣٢.
(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبر في تفسيره: ٥/ ٤٩٧، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٧٤، اللسان (صير) الفرع الشعر التام الحثل، وحف أسود حسن كثير عزيز، الليت صحفة العنق. وهما الليتان، قنوان: جمع قنو (بكسر فسكون) وهو عذق النحل وما فيه من الرطب. والدوالح جمع دالح: وهو المثقل بالحمل هنا. وأصله فيما يمشي، يقال بعير دالح: إذا مشى بحمله الثقيل مشيًا غير منبسط. وكذلك السحاب دالح، أي مثقل بطيء المر. وهي استعارة جيدة محكمة.
(٦) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٢.
(٧) البيت رابع أبيات من قصيدة أبياتها ٢٠/ عشرون بيتا لحسان في ديوانه ١/ ١١٣، وذكره صاحب اللسان/ غدن/ والبيت في المحتسب ١/ ٣١٩ والمنصف ٣/ ١٣، ٣٠ عن أبي علي.
(٨) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>