والثاني: أنه إرْمياء (١)، وهو قول وهب (٢)، وعبدالله بن عبيد بن عمير (٣)، وبكر بن مضر (٤).
والثالث: أنه الخَضِر، وهو قول ابن إسحاق (٥).
والرابع: وقيل أنه حزقيل بن بوزا. روي ذلك عن سليمان بن محمد الأسلمي السياري الجاري (٦).
الخامس: وقال الزمخشري: "والمار كان كافرا بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: أنى يحيى"(٧).
قال الطبري:" ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قِبَلِهِ البيان على اسم قائل ذلك. وجائز أن يكون ذلك عزيرا، وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم"(٨).
وقد قال الزمخشري:" وقيل هو عزيز أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام. وقوله: أنى يحيي اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي"(٩).
واختلفوا في (القرية) على ثلاثة اقوال (١٠):
الأول: هي بيت المقدس، لما خرّبه بُخْتنصَّر، وهذا قول وهب (١١) وقتادة (١٢)، والضحاك (١٣)، وعكرمة (١٤)، والربيع بن أنس (١٥).
والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد (١٦).
(١) وأخرج الطبري بسنده (٥٨٩١): ص ٥/ ٤٤٠: عن "ابن إسحاق، قال: اسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل - أورميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون بن عمران". ثم رده ونقضه في تاريخه: ١/ ١٩٤ وما قبلها. (٢) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٢) و (٥٨٩٣) و (٥٨٩٤): ص ٥/ ٤٤٠. (٣) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٥) و (٥٨٩٦): ص ٥/ ٤٤٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٦٤٣): ص ٢/ ٥٠٠. (٤) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٧): ص ٥/ ٤٤٠. (٥) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٠): ص ٥/ ٤٤٠. (٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٤٢): ص ٢/ ٥٠٠. (٧) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧. قال الزمخشري: " فإن قلت: فإن كان المار كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافرا". [تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨]. علّق الغمام أحمد بن محمد المعروف بابن المنير، قائلا: " وهذا سؤال عجيب، والجواب عنه أعجب منه، ومن سلم لهذا السائل أن الله تعالى لا يسوغ أن يكلم الكافر؟ وهل هذا إلا خطب بلا أصل؟ أليس أن إبليس رأس الكفر ومعدنه ومع هذا قال الله تعالى: (فاخرج منها فإنك رجيم ... ) إلى آخر الآية ويقول تعالى للكفار وهم بين أطباقها يعذبون (اخسؤا فيها ولا تكلمون) ولأن هذا الأمر متيقن وقوعه فضلا عن جوازه أول العلماء قوله تعالى: (ولا يكلمهم الله) بمعنى ولا يكلمهم بما يسرهم وينفعهم. هذا وجه تعجبي من السؤال. وأما الجواب فقد أسلفت آنفا رده بأن إيمان هذا المار على القول بأنه كان كافرا إنما حصل في آخر القصة بعد أن تبينت له الآيات. وأما كلام الله تعالى فمن أول القصة. قلت: الزمخشري كفانا مؤنة هذا الفضل سؤالا وجوابا والله المستعان". [تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨/ الهامش (١)]. (٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤٤١ - ٤٤٢. (٩) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧. (١٠) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٤٢ وما بعدها، وتفسير الكشاف: ١/ ٣٠٧. (١١) انظر: تفسير الطبري (٥٨٩٨) و (٥٨٩٩) و (٥٩٩): ص ٥/ ٤٤٢ - ٤٤٣. (١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠١): ص ٥/ ٤٤٣. (١٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٢): ص ٥/ ٤٤٣، و (٥٩٠٦): ص ٥/ ٤٤٥. (١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٣): ص ٥/ ٤٤٣. (١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٤): ص ٥/ ٤٤٣. (١٦) انظر: تفسير الطبري (٥٩٠٥): ص ٥/ ٤٤٤. قال الطبري: " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ}، قال: قرية كان نزل بها الطاعون ثم اقتص قصتهم التي ذكرناها في موضعها عنه، إلى أن بلغ {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا}، في المكان الذي ذهبوا يبتغون فيه الحياة، فماتوا ثم أحياهم الله، {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [سورة البقرة: ٢٤٣]، قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، فوقف ينظر، فقال: " أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه " إلى قوله {لم يتسنه} ". واعترض ابن عطية على قول ابن زيد، قائلا: " وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول هي إلى العظام والأجساد، وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها، والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٧].