للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقول الراجز (١):

حتى إذا ما احتازها تكرسا

يعني علم.

وقيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض، لأنهم الذين بهم تصلح الأرض، قال الشاعر (٢):

يحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية ... كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ

أي علماء بحوادث الأمور، ونوازلها (٣).

قال الطبري: ". والعرب تسمي أصل كل شيء " الكرس يقال منه: " فلان كريم الكرس "، أي كريم الأصل، قال العجاج (٤):

قد علم القدوس مولى القدس ... أن أبا العباس أولى نفس

بمعدن الملك الكريم الكِرْس

يعني بذلك: الكريم الأصل، ويروى: في معدن العز الكريم الكِرْس" (٥)

قال الماوردي: "فدلت هذه الشواهد، على أن أصح تأويلاته، ما قاله ابن عباس، أنه علم الله تعالى" (٦).

قال الشيخ ابن عثيمين: " فأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله عز وجل؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وأئمة التحقيق؛ وقد قيل: إن «الكرسي» هو العرش؛ ولكن ليس بصحيح؛ فإن «العرش» أعظم، وأوسع، وأبلغ إحاطة من الكرسي؛ وروي عن ابن عباس أن {كرسيه}: علمه؛ ولكن هذه الرواية أظنها لا تصح عن ابن عباس (٧)؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى لهذه الكلمة في اللغة العربية، ولا في الحقيقة الشرعية؛ فهو بعيد جداً من أن يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ فالكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» (٨)؛ وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا


(١) لم أتعرف على الراجز، وقوله: احتازها، أي حازها وضمها إلى نفسه. ولا أدرى إلى أي شيء يعود الضمير: إلى القانص أم إلى كلبه؟ والاستدلال بهذا الرجز على أنه يعنى بقوله: " تكرس "، علم، لا دليل عليه، حتى نجد سائر الشعر، ولم يذكره أحد من أصحاب اللغة.
(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري: ٥/ ٤٠٢، والماوردي: ١/ ٣٢٦.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١ - ٤٠٢، والنكت والعيون: ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٤) ديوانه: ٧٨، واللسان (قدس) (كرس). و " القدس " هو الله - سبحانه الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص. والقدس. ومولاها: ربها. وقد سلف تفسير معنى " القدس " و " القدس " في هذا التفسير ١: ٤٧٥، ٤٧٦/ ٢: ٣٢٢، ٣٢٣. و " أبو العباس " هو أبو العباس السفاح، الخليفة العباسي. وروى صاحب اللسان " القديم الكرس "، و " المعدن " (بفتح الميم وكسر الدال): مكان كل شيء وأصله الثابت، ومنه: " معدن الذهب والفضة "، وهو الموضع الذي ينبت الل فيه الذهب والفضة، ثم تستخرج منه، وهو المسمى في زماننا " المنجم ". يقول: أبو العباس أولى نفس بالخلافة، الثابتة الأصل الكريمته.
(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٦) النكت والعيون: ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٧) أنظر: تفسير الطبري ٥/ ٣٩٧ – ٣٩٨، القول في تأويل قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض)، حديث رقم ٥٧٨٧ – ٥٧٨٨؛ ذكر ابن أبي العز أن المحفوظ عن ابن عباس أن الكرسي هو موضع القدمين (شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧١) وذكر شعيب الأرناؤوط: أن أثر ابن عباس في تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين أصح إسناداً (شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧١، حاشية رقم ١)، وذكر محمود شاكر أنه إذا كان أثر ابن عباس في تفسير الكرسي بالعلم صحيح الإسناد فإن الخبر الآخر صحيح على شرط الشيخين (تفسير الطبري ٥/ ٤٠١، حاشية رقم ١).
(٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه ١/ ٢٨٧، باب ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ ... ، حديث رقم ٣٦٢؛ وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال أبو حاتم وأبو زرعة: كذاب، وقال علي بن الجنيد: صدق أبو حاتم ينبغي أن لا يحدث عنه (ميزان الاعتدال ١/ ٧٣)؛ وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٣٩٩، تحقيق أحمد شاكر وفي سنده ابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي: قال البخاري: ضعفه عليّ جداً، وقال النسائي وأحمد ويحيى: ضعيف (ميزان الاعتدال ٢/ ٥٦٤؛ وقال شعيب في تخريج شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧٠، ٣٧١) ضعيف.

<<  <  ج: ص:  >  >>