من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله عز وجل:{أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها}[ق: ٦]؛ ولم يقل: أفلم ينظروا إلى الكرسي؛ أو إلى العرش؛ لأن ذلك ليس مرئياً لنا؛ ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به" (١).
قلت: إن (الكرسيّ) باتّفاق علماء أهل السنّة هو جَرْم مخلوق غير العرش، خلافا لمن قال إنّه العرش نفسه، والمشهور في تفسير (الكرسيّ) أنه موضع القدمين، وهو قول السلف لم يثبت خلافه عنهم بسند صحيح، الا في رواية لجعفر بن أبي المغيرة عن ابن عباس لم يتابع عليه على ذلك أحد، كما أن علم الله تعالى قد وسع كل شيء فلا يصح قصره على السماوات والارض، والخلاصة أن على العبد أن يؤمن بصفات الله تعالى دون تأويل ولا تعطيل ويمرها كما جاءت بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا يجوز أن يخوض أحد في كيفيّة ذلك كما هو مقرّر في أصول اعتقاد أهل السنّة، وأما التنطع في إثبات ما لم يرد به الكتاب والسنة فالواجب تركه. والله تعالى أعلم (٢).
وقوله تعالى {وَسِعَ}[البقرة ٢٥٥]، قرأ الجمهور {وَسِعَ}، بكسر (السين)، وقراء شاذا بسكونها (وَسْعَ)، وقراء أيضاً شاذا (٣)(وسْعُ) بسكونها وضم العين (٤)، وقراء أيضا: " {وَسْعُ كرسيه} بفتح الواو وسكون السين ورفع العين على الابتداء" (٥).
قوله تعالى:{وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}[البقرة: ٢٥٥]، أي: " ولا يثقل عليه حفظ السموات والأرض" (٦).
قال الصابوني: "أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما" (٧).
قال ابن عباس: " لا يثقل عليه حفظهما" (٨). وروي نحو ذلك عن قتادة (٩) والحسن (١٠) والضحاك (١١)، وعبدالرحمن المديني (١٢)، ومجاهد (١٣)، والسدي (١٤)، والربع (١٥)، وابن زيد (١٦).
(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥. (٢) قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: " هذه الأحاديث التي يقول فيها: ضحك ربنا من قنوط عباده وقرْب غِيَره، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك قدمه فيها، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حق، حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها ". [رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ١٩٨)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٤٩)]. وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: "وأما من حرَّف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: ١٧]، وقوله {وكان عرشه على الماء} [هود: ٧]؟ أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية، وكان ملكه على الماء ويكون موسى عليه السلام آخذا بقائمة من قوائم المُلْك؟ هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول. وأما الكرسي فقال تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} [البقرة: ٢٥٥]، وقد قيل: هو العرش، والصحيح: أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره" [شرح العقيدة الطحاوية " ص ٣١٢، ٣١٣]. (٣) وهي قراءة يعقوب الحضرمي. [النكت والعيون: ١/ ٣٢٦]. (٤) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨. (٥) الدر المصون: ٢/ ٥٤٤. (٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٥. (٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧. (٨) أخرجه الطبري (٥٨٠٠): ص ٥/ ٤٠٤. (٩) أخرجه الطبري (٥٨٠١): ص ٥/ ٤٠٤. (١٠) أخرجه الطبري (٥٨٠٢): ص ٥/ ٤٠٤. (١١) أخرجه الطبري (٥٨٠٤): ص ٥/ ٤٠٤. (١٢) أخرجه الطبري (٥٨٠٦): ص ٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥. (١٣) أخرجه الطبري (٥٨٠٧): ص ٥/ ٤٠٥ (١٤) أخرجه الطبري (٥٨٠٨): ص ٥/ ٤٠٥. (١٥) أخرجه الطبري (٥٨٠٩): ص ٥/ ٤٠٥. (١٦) أخرجه الطبري (٥٨١٠): ص ٥/ ٤٠٥.