للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخامس: أنه: موضع القدمين. قاله ابن عباس (١)، أبو موسى (٢) والسدي (٣) والضحاك (٤) ومسلم البطين (٥)، وقالوا بأن الكرسي هو موضع القدمين، "لأن الجالس على عرش يكون مرتفعا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربع" (٦).

قال الطبري: " ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، إذا ركب، من ثقله " (٧) " (٨).

ثم قال: " وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: " هو علمه " (٩)، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: {ولا يؤوده حفظهما} على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: ٧]، فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} " (١٠).

وقد ذكر العلماء بأن أصل الكرسي (العلم)، ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب: كراسة، قال أبو ذؤيب:

مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... ولا بكرسيّ عليم الغيب مخلوق


(١) راجع المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٩٣، حديث رقم ١٢٤٠٤؛ وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٦)؛ وراجع مستدرك الحاكم ٢/ ٢٨٢، كتاب التفسير، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
قال ابن عثيمين: " و «الكرسي» هو موضع قدمي الله عز وجل؛ وهو بين يدي العرش كالمقدمة له؛ وقد صح ذلك عن ابن عباس موقوفاً، ومثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه؛ وما قيل من أن ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ عن بني إسرائيل فلا صحة له؛ بل الذي صح عنه في البخاري [راجع البخاري ص ٦١٢ – ٦١٣، كتاب الاعتصام بالسنة، باب ٢٥: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء"، حديث رقم ٧٣٦٣]، أنه كان ينهى عن الأخذ عن بني إسرائيل". [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٤].
(٢) أخرجه الطبري (٥٧٨٩): ص ٥/ ٣٩٨.
(٣) أخرجه الطبري (٥٧٩٠): ص ٥/ ٣٩٨.
(٤) أخرجه الطبري (٥٧٩١): ص ٥/ ٣٩٨.
(٥) أخرجه الطبري: (٥٧٩٢): ص ٥/ ٣٩٨.
(٦) التحرير والتنوير: ٣/ ٢٣.
(٧) أخرجه الطبري موقوفا (٥٧٩٦): ص ٥/ ٤٠٠. رواه أبو داود في كتاب السنة من سنته (رقم: ٤٧٢٦).
(٨) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٠.
(٩) قال الشيخ محمود شاكر محقق تفسير الطبري، معلقا على قول الطبري: " العجب لأبي جعفر، كيف تناقض قوله في هذا الموضع! فإنه بدأ فقال: إن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، من الحديث في صفة الكرسي، ثم عاد في هذا الموضع يقول: وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن، فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه. فإما هذا وإما هذا، وغير ممكن أن يكون أولى التأويلات في معنى " الكرسي " هو الذي جاء في الحديث الأول، ويكون معناه أيضًا " العلم "، كما زعم أنه دل على صحته ظاهر القرآن. وكيف يجمع في تأويل واحد، معنيان مختلفان في الصفة والجوهر! ! .... " [تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١].
قلت: لا تناقض في كلام الإمام الطبري، فهو قال: أنّ الأولى الأخذ بما دلّ عليه الحديث، ثم بيّن أن السياق القرآني عنده دلّ على ترجيح القول الآخر، والترجيح بالسياق لا يتعارض مع الترجيح بالحديث هنا، إذ ليس في صحيح الحديث هنا أنّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فسّر المراد بالكرسي في الآية ولا فسره بعلم الله أو العرش، ف الطبري يثبت الكرسي على ماجاء به الأثر بغض النظر عما إذا كان هو المراد بهذه الاية.
(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١ - ٤٠٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>