قال الشوكاني: " (الكرسي) الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة وأخطئوا في ذلك خطأ بينا وغلطوا غلطا فاحشا، وقال بعض السلف إن الكرسي هنا عبارة عن العلم، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ... والحق القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطا واسعا" (٢).
قال ابن عاشور: " والجمهور قالوا: إن الكرسي مخلوق عظيم، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته" (٣).
وقد اختلف أهل التفسير في (الكرسي) الذي وصفه الله تعالى بأنه وسع السماوات والأرض، وذكروا فيه أوجها (٤):
الاول: أنه علم الله، قاله ابن عباس (٥). ورجحه الطبري (٦).
الثاني: ملك الله، أي: ": وسع ملكه، تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك" (٧).
الثالث: أنه العرش نفسه، قاله الحسن (٨). قال القاسمي: " وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيّها مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨]، فالعرش والكرسيّ هما شيء واحد وإنما سماه هنا. كرسيّا، إعلاما باسم له آخر" (٩).
واختاره ابن عاشور، قائلا: " وهذا هو الظاهر لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية وتكرر ذكر العرش، ولم يرد ذكرهما مقترنين، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم [المؤمنون: ٨٦]" (١٠).
الرابع: عظمة الله. اختاره القفال قائلا: "المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله تعالى وكبريائه وتعزيزه، خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم" (١١).
(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٤. (٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٢. (٣) التحرير والتنوير: ٣/ ٢٣. (٤) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٦، وتفسير الطبري: ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨. (٥) أخرجه الطبري (٥٧٨٧): ص ٥/ ٣٩٧، وانظر: المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٩٣، حديث رقم ١٢٤٠٤؛ وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٦)؛ وراجع مستدرك الحاكم ٢/ ٢٨٢، كتاب التفسير، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. وفي سند هذا القول ضعفا قال ابن منده: "وهذا حديث مشهور عن مطرِّف عن جعفر بن أبي المغيرة لم يتابعْ عليه"اهـ، وقال أيضا: "ورواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسيُّ علمه ولم يتابَع عليه جعفرٌ وليس هو بالقويّ في سعيد بن جُبير"اهـ. الردّ على الجهمية: ١/ ٢١، وينظر: ميزان الاعتدال: ١/ ٤١٧ ترجمة جعفر بن أبي المغيرة، والسنة لعبد الله بن أحمد: ٢/ ٥٠٠. (٦) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٠١. (٧) تفسير الكشاف/ ١/ ٣٠١. (٨) أخرجه الطبري (٥٧٩٥): ص ٥/ ٣٩٩. وممن رجح أنّ المراد بالكرسي العرش: الزجاج: ١/ ٢٨٨ وابن الأنباري إذ يقول: " الذي نذهب إليه ونختاره: القول الأول؛ لموافقته الآثار، ومذاهب العرب، والذي يحكى عن ابن عباس: أَنَّه عِلْمُه، إنما يروى بإسناد مطعون وقيل إن كرسيه قًدْرَتَهُ التي بها يُمسك السماوات والأرض, من قولهم: اِجْعَلْ لهذا الحائطِ كرسياً، أي: اِجعَلْ له ما يعمِدُه ليمسكه حكاه الزجاج وغيره". وينظر: تهذيب اللغة ولسان العرب: (كرس) والقرطبي: ٣/ ٢٧٧ ومجموع الفتاوى: ٦/ ٥٨٤ والعلو للذهبي: ص ١١٧ وعمدة القاري: ١٨/ ١٢٦. (٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٢. (١٠) التحرير والتنوير: ٣/ ٢٣. (١١) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٨.