اعترض علي هذا القول ابن حجر، قائلا:"وأما قول الحنفية فيلزم منه أن النفقة تجب على الخال لابن أخته، ولا تجب على العم لابن أخيه (١)، وهو تفصيل لا دلالة عليه من الكتاب ولا السنة ولا القياس، قاله إسماعيل القاضي (٢)(٣) "(٤).
والثالث: أنهم الأجداد ثم الأمهات، وهذا قول الشافعي.
والراجح هو القول الأول، وهو قول قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم؛ ومن قال بقولهم، من أنه معني بالوارث: المولود وفي قوله: {مثل ذلك}، أن يكون معنيا به: مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف، إن كانت من أهل الحاجة، ومن هي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فيها، ولا زوج لها تستغني به، وإن كانت من أهل الغنى والصحة، فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعه (٥)(٦).
وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى:{مِثْلُ ذَلِكَ}[البقرة: ٢٣٣]، على أقوال (٧):
(١) الأظهر أن الجملة: ولا تجب على ابن العم لابن عمه، أي: الوارث؛ لأن العم ذو رحم محرم لابن أخيه. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٨ - ٦٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢١٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨، حاشية ابن عابدين: ٣/ ٦٢٧. (٢) هو: أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري الجهضمي المالكي، قاضي بغداد، شيخ الإسلام، إمام حافظ، فقيه مفسر، كان شديداً على أهل البدع، توفي عام: ٢٨٢ هـ، له تصانيف شهيرة منها: أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله، ومعاني القرآن وإعرابه، وكتاب في القراءات. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٣/ ٣٣٩، طبقات المفسرين للداودي: ١/ ١٠٦، طبقات المفسرين للأدنه وي: ٤١. (٣) في كتابه معاني القرآن، كما أفاد ذلك القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٦٨، ونقْل الحافظ عنه هنا بتصرف. (٤) الفتح: ٩/ ٤٢٥. (٥) وهو اختيار الطبري، انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٦٥ - ٦٦. وعلّل اختياره بقوله: " وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب مما عداه من سائر التأويلات التي ذكرناها، لأنه غير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله تعالى ذكره قول إلا بحجة واضحة، على ما قد بينا في أول كتابنا هذا، وإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: " وعلى الوارث مثل ذلك "، محتملا ظاهره: وعلى وارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له ومحتملا وعلى وارث المولود له مثل الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود، وغير ذلك من التأويلات، على نحو ما قد قدمنا ذكرها وكان الجميع من الحجة قد أجمعوا على أن من ورثة المولود من لا شيء عليه من نفقته وأجر رضاعه، وصح بذلك من الدلالة على أن سائر ورثته، غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قبل أبيه أو أمه، في حكمه، في أنهم لا يلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع، إذ كان مولى النعمة من ورثته، وهو ممن لا يلزمه له نفقة ولا أجر رضاع. فوجب بإجماعهم على ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثني حكمه، وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا - من أنه معني به ورثة المولود - فبطول القول الآخر وهو أنه معني به ورثة المولود له سوى المولود أحرى. لأن الذي هو أقرب بالمولود قرابة ممن هو أبعد منه إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه، فالذي هو أبعد منه قرابة، أحرى أن لا يصح وجوب ذلك عليه". (٦) قال ابن حجر: "وسبب الاختلاف: حمل المثلية في قوله: (مِثلُ ذَلِك) على جميع ما تقدم أو على بعضه، والذي تقدم الإِرضاع والإِنفاق والكسوة وعدم الإِضرار، قال ابن العربي: "قالت طائفة: لا يرجع الجميع بل إلى الأخير وهذا هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع إلى الجميع فعليه الدليل؛ لأن الإِشارة بالإِفراد، وأقرب مذكور هو عدم الإِضرار فرجح الحمل عليه". [أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥ والنقل عنه بتصرف، وقد صحح هذا القول القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٧٠ وتعقبه الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٦٦ فقال: " ... فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه"]. وبن العربي: هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، إمام حافظ، فقيه مفسر، توفي عام: ٥٤٣ هـ. له تصانيف بديعة منها: أحكام القرآن وعارضة الأحوذي وقانون التأويل وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ٢٠/ ١٩٧، الصلة لابن بشكوال: ٢/ ٥٩٠، طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ١٦٢، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف: ١/ ١٣٦. () أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥ والنقل عنه بتصرف، وقد صحح هذا القول القرطبي في تفسيره: ٣/ ١٧٠ وتعقبه الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٦٦ فقال: ( ... فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه). (٧) اظر: تفسير الطبري: ٥/ ٦٠ - ٦٦.