للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومعنى الآية: وعلى وارث الصبي إذا كان أبوه ميتا، مثل الذي كان على أبيه في حياته.

واعترض عليه ابن حجر قائلا: " وأما قول الحسن ومن تابعه فتعقب بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦]، فلما وجب على الأب الإِنفاق على من يرضع ولده ليغذي ويربي، فكذلك يجب عليه إذا فطم فيغذيه بالطعام كما يغذيه بالرضاع مادام صغيراً، ولو وجب مثل ذلك على الوارث لوجب إذا مات عن الحامل أنه يلزم العصبة بالإِنفاق عليها لأجل ما في بطنها، وكذا يلزم الحنفية إلزام كل ذي رحم محرم (١).

ثم اختلف قائلوا هذه المقالة (٢) في وارث المولود، الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف، فذكروا أربعة أقاويل (٣):

أحدها: أن وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتاً سواء كان عماً أو أخاً أو ابن أخ أو ابن عم دون النساء من الورثة، وهذا قول عمر بن الخطاب (٤)، ومجاهد (٥)، والحسن (٦)، وعبدالله بن عتبة (٧)، وإبراهيم (٨)، وعطاء (٩)، والضحاك (١٠).

والثاني: أن ورثته من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (١١)، وأحمد وإسحاق (١٢).

والثالث: أنهم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم (١٣)، كابن العم والمولى ومن أشبههما، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (١٤).


(١) استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين-كما أفاد ذلك الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٤٢٩ - إذ تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات فاحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى واحدٍ من هؤلاء، والعلماء لم يَدَعُوا وجهاً يمكن القول به إلا وقال به بعضهم. انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٣١، ولذا وصلت الأقوال في قول الله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثْ) إلى عشرة كما في البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢١٧، وانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٣ - ٦٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨ - ١٧١، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦. والأظهر-والله أعلم-أن المراد بالوارث: وارث الأب؛ لأنه الوارث على الحقيقة، أما وارث الصبي أو الوالدة فليسا بوارثين إلا على سبيل المجاز، لأن الصبي والوالدة حيين وحمل الكلام على الحقيقة أولى. والأظهر أيضاً-والله أعلم-أنها تجب على كل وارث على مقدار إرثه سواء أكان إرثه بفرض أم تعصيب أم برحم، للعموم في الآية وعدم التقييد فيها بمحرم أو بغير محرم، وأيضاً ليكون الغرم بمقدار الغنم. وهذا القول هو اختيار ابن أبي ليلى وابن تيمية ود. زيدان، ولكن ينبغي أن يكون هذا الوجوب بشروط أهمها: أن يكون المنفق عليه معسراً غير قادر على الكسب حقيقة أو حكماً، وأن يكون من تجب عليه النفقة واجداً لنفقة نفسه ومن هو أقرب إليه منه. انظر: المبسوط للسرخسي: ٥/ ٢٢٣، كشاف القناع للبهوتي: ٣/ ٣١٤، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٦، المفصل في أحكام المرأة لـ د. عبد الكريم زيدان: ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٦.
(٢) وهو قول: قول الحسن، والسدي، وقتادة.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٥ - ٦٥.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٤٩٨٩): ص ٥/ ٥٥.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٧) - (٤٩٩٩): ص ٥/ ٥٥.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٠): ص ٥/ ٥٥.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٥): ص ٥/ ٥٦.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٩٩٦): ص ٥/ ٥٦.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٠): ص ٥/ ٥٧.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠١): ص ٥/ ٥٧.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٠٠٢): ص ٥/ ٥٧ - ٥٨.
(١٢) انظر: الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٧ أ، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٣ أ. زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨.
(١٣) المقصود بـ (ذي رحم محرم): من لا يحل النكاح فيما بينه وبين من تجمعهما هذه القرابة المحرمية كالأعمام والعمات والأخوال والخالات، ولابد أن تكون المحرمية بجهة القرابة، فإن لم تكن بجهة القرابة كما لو كانت بجهة الرضاع كالأخ من الرضاع، فلا نفقة له. انظر: حاشية ابن عابدين: ٣/ ٦٢٧، المفصل في أحكام المرأة لعبد الكريم زيدان: ١٠/ ١٩٨.
(١٤) نظر قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٨، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١١٧ ب، البسيط للواحدي: ١/ ١٤٣ أ، مفاتيح الغيب للرازي: ٦/ ١٣١، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢١٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٥٥، المبسوط للسرخسي: ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤، حاشية ابن عابدين: ٣/ ٦٢٧، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٣، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٢٠، فتح القدير لابن الهمام: ٤/ ٤١٩، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٨٣، تبيين الحقائق للزيلعي: ٣/ ٦٤، الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٦٦ - ٦٧، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٦٨، روح المعاني للألوسي: ٢/ ١٤٧، وغيرها.

<<  <  ج: ص:  >  >>