قال الطبري:" أي: " والإثم بشرب الخمر هذه والقمار هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما ... وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتَل بعضهم بعضًا، وإذا ياسرُوا وقع بينهم فيه بسببه الشرُّ، فأدَّاهم ذلك إلى ما يأثمون به" (١).
قال الشوكاني: "أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم" (٢).
قال الصابوني: "أي وضررهما أعظم من نفعهما، فإن ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجره القمار من خراب البيوت ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك محسوس مشاهد، وإذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه، ظهر خطر المنكر الخبيث" (٣).
قال القاسمي: " أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهّدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا، قال عمر لما قرأت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}[المائدة: ٩٠ - ٩١] ... وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكب، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلائل على غلبة الأول - ما لا يخفى على ما نطق به" (٤).
وقرأ أبيّ:{وإثمهما أقرب من نفعهما}(٥).
قال الدكتور عبدالكريم الخطيب: " ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع، والنفع لا يقابل الإثم، وإنما يقابل الضرّ .. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا .. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا .. فى جسده وماله، جدير به أن يخيفه ويزعجه، ويقيمه منهما على حذر وتخوف، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟ .
هذا، وليس جمع «المنافع» بالذي يرجّح كفة الشر على الخير، فى جانب الخمر والميسر، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما .. فمن صانع للخمر، إلى جالب لها، إلى بائع، إلى ساق، إلى مغنّ فى حانها .. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر، وفى طريقها .. وكذلك الميسر وأصناف الناس الذين يجتمعون عليه، ويعملون فى ميدانه! .
(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩. (٢) فتح القدير: ١/ ٢٢٢. (٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦. (٤) محاسن التأويل: ٢/ ٩٦. (٥) فتح القدير: ١/ ٢٢٢.