، ومن بقي سهمه آخر كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء. وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين" (١).
وقد اختلفت القرأءة في قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٩]، على وجهين (٢):
أحدهما: {قل فيهما إثم كبيرٌ}، بالباء الموحدة، قرأ بها عُظْم أهل المدينة وبعضُ الكوفيين والبصريين، بمعنى قل: في شرب هذه، والقمار هذا، كبيرٌ من الآثام.
واحتج أصحاب هذا القول: بـ"أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. وأيضا فاتفاقهم على "أكبر" حجة لـ "كبير" بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض "أكثر" بالثاء المثلثة، إلا في مصحف عبدالله بن مسعود فإن فيه "قل فيهما إثم كثير" "وإثمهما أكثر" بالثاء مثلثة في الحرفين" (٣).
قال الراغب: " فكبير لقوله تعالي: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية، وبقوله الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وعظيم وكبير متلازمان " (٤).
والثاني: {قل فيهما إثمٌ كثيرٌ} بالثاء المثلثة، وهي قراءة الكسائيّ وحمزة، بمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن (الإثم) بمعنى (الآثام)، وإن كان في اللفظ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثرة.
واستندوا في قراءتهم بأن "النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها (٥). وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام. و"كثير" بالثاء المثلثة يعطي ذلك" (٦).
والراجح هو من قرأ بـ (الباء): {قل فيهما إثم كبير}، وذلك "لإجماع جميعهم على قوله: {وإثمهما أكبر من نفعهما}، وقراءته بالباء، وفي ذلك دلالة بيّنة على أن الذي وُصف به الإثم الأول من ذلك، هو العظم والكبَر، لا الكثرة في العدد، ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما" (٧).
قال ابن عثيمين: " والفرق بينهما (أي القرائتين)، أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثماً كثيراً بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضاً الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا - رحمه الله - في هذا المكان أضراراً كثيرة جداً؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: {إثم كبير}، أو {إثم كثير}؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيراً باعتبار آحاده؛ كبيراً باعتبار كيفيته" (٨).
قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: ٢١٩]، أي: "ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما" (٩).
قال ابن عثيمين: " لأن العقوبة في الآخرة؛ وأما النفع ففي الدنيا؛ وعذاب الآخرة أشق، وأبقى" (١٠).
(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٧.
(٢) انظر: السبعة: ١٨٢، والحجة: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وتفسير الطبري: ٤/ ٣٢٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.
(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥١.
(٥) مسند الإمام أحمد (٤٧٧٢): ص ٢/ ٢٥، والحديث: " لُعِنَتْ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ لُعِنَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَشَارِبُهَا وَسَاقِيهَا وَبَائِعُهَا وَمُبْتَاعُهَا وَعَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَحَامِلُهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَآكِلُ ثَمَنِهَا".
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.
(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.
(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٨.
(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٩.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٩.