للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما الإثم فهو الإثم، وإن تعددت مصادره، واختلفت موارده، والوصف الذي يلحقه هو الذي يفرق بين إثم وإثم، فيقال إثم كبير، أو عظيم، أو غليظ، أو يسكت عنه فلا يوصف بوصف ما .. ويكفى فى وصفه فى هذه الآية أن يقال: (إثم كبير) فيكون وصفا جامعا لكل منكر" (١).

قال أهل العلم: " نزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يُصرَّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث" (٢).

وقد قال عددٌ من أهل التفسيبر: معنى ذلك: "وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما" (٣).

قال القرطبي: " أعلم الله جل وعز أن الإثم أكبر من النفع، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم الكبير بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم" (٤).

بهذا فإن في قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا} [البقرة: ٢١٩]، تأويلان:

أحدهما: أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم، وهو قول ابن عباس (٥)، والربيع (٦)، والضحاك (٧)، ومقاتل بن حيان (٨).

والثاني: أن كلاهما قبل التحريم يعني الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما، وهو قول سعيد بن جبير (٩).

والصواب أن هذه الآية "نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما، إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما - على ما وصفنا - لا الإثم بعد التحريم" (١٠). والله أعلم.

وقد تواترت الأخبار على صحة ما قلناه، وبه قال أهل التفسير:

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: " {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثمٌ كبير ومنافع للناس}، فكرهها قوم لقوله: {فيها إثم كبير}، وشربها قوم لقوله: " ومنافع للناس "، حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [سورة النساء: ٤٣]، قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [سورة المائدة: ٩٠] فقال عمر: ضَيْعَةً لك! اليوم قُرِنْتِ بالميسر! " (١١).

وعن أبي توبة المصري، قال، سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثًا، فكان أول ما أنزل: " يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير " الآية، فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه! ثم نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية، قالوا: يا رسول الله، لا نشربها عند قرب الصلاة. قال: ثم نزلت: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ


(١) التفسير القرآني للقرآن: ١/ ٢٣٧.
(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.
(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٩.
(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٦٠.
(٥) تفسير الطبري (٤١٤١): ص ٤/ ٣٣٠.
(٦) تفسير الطبري (٤١٣٩): ص ٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٧) تفسير الطبري (٤١٤٠): ص ٤/ ٣٣٠.
(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٦٧): ص ٢/ ٣٩٣.
(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٦٤): ص ٢/ ٣٩٢.
(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٣٣٠.
(١١) تفسير الطبري (٤١٤٢): ص ٤/ ٣٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>