للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك من المصلحة، وعلم من غريزتهم التي غرزها عليها إن كثيراً منهم إذا ردع عما ألفه واستحسنه لا يكاد يرتدع ابتداء بتقبيح السكر في نفوسهم، ولكونه منافياً لذكر الله وعبادته، فقال: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فلما رسخ ذلك في نفوسهم أنزل قوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}، وكأن في هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة، فلما قوي ذلك في نفوسهم فال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} " (١).

ثم قال: وعلى قريب من هذا الكلام (٢) في الميسر، لكن كان أمره أخف، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسراً، ومنهم من قاسه عليه، وقد روي عن النبي- عليه السلام- " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " (٣).

وقال الطبري: "وأما إثم {وَالْمَيْسِرِ}، فلما "فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} [سورة المائدة: ٩١] " (٤). والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: ٢١٩]، أي: " ومنافع مادية ضئيلة" (٥).

قال القاسمي: أي: " دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كدّ في الميسر" (٦).

قال البغوي: " فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء" (٧).

قال ابن عثيمين: " وتأمل قوله تعالى: {منافع للناس}؛ لأنها منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس؛ وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون" (٨).

قال الطبري: "فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها (٩):


(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.
(٢) يقصد قوله السابق في سبب تحريم الخمر. وهو قوله: "" وأشار الله- عز وجل- بقوله: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان .... ". (تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٠ - ٤٥١).
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥١.
(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٦.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٦.
(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٩٦.
(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٥٣.
(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٩.
(٩) ديوانه: ٦١، والأشربة لابن قتيبة: ٧٠ والبيتان مصحفان تصحيفًا قبيحًا في المطبوعة، في البيت الأول " صحاها " بالصاد المهملة، و " ما تفك أداتها ". وفي البيت الثاني " عده نشواتها " وفي الأشربة " عدة "، وفي الديوان " غدوة نشواتها " (بضم الغين ونصب التاء بفتحتين). ونسخة الديوان أيضًا كثيرة التصحيف، فآثرت قراءة الكلمة " عزة ". وذلك أن الأعشى يقول قبل البيتين:
لَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شاربًا ... لَمُخْتَلِفٌ آصَالُها وَغَدَاتُها
ثم بين في البيت الثاني أنها في " الضحى " - وهو الغدوة - تعقب خبث النفس والكآبة والهموم المؤذية. ثم أتبع ذلك بما يكون عند العشي من طيب النفس واللذة - فلا معنى لإعادة ذكر " الغدوة " مرة أخرى، بل إنه لو فعل لنقض على نفسه البيت السالف، فصارت الخمر في الغدوة أو الضحى، مخبثة للنفس، ومبهجة لها في وقت واحد، وهذا باطل. فالصواب عندي أن تقرأ " عزة لنشواتها "، كقوله أيضًا:
مِنْ قَهْوَةٍ بَاتَتْ بِبَابِلَ صَفْوَةٍ ... تَدَعَ الفَتَى مَلِكًا يَمِيلُ مُصَرَّعًا
ويؤيد ذلك أن ابن قتيبة قدم قبل الأبيات السالفة: " وقال في الخمر أنها تمد في الأمنية " ثم ذكر الأبيات، فمعنى ذلك أنها تريه أنه صار ملكًا عزيزًا يهب المال الكثير إذا انتشى.
وقوله: " ما تغب أذاتها " من قولهم: " غب الشيء " أي بعد وتأخر. تقول: " ما يغبك لطفي " أي ما يتأخر عنك يومًا، بل يأتيك كل يوم، تعني متتابعًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>