للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال السمين الحلبي: " والذي قاله الحذاق: إن الإثم ليس من أسماء الخمر. قال ابن الأنباري: الإثم لا يكون اسما للخمر؛ لأن العرب لم تسم الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام" (١).

وقد ذكر أهل التفسير في إثم {الخمر} قولين:

أحدهما: أن" إثم الخمر أنّ الرجل يشرَب فيسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنعَ الحق ويظلم". قاله السدي (٢).

والثاني: أنه "يعني ما ينقُص من الدين عند من يشربها". قاله ابن عباس (٣).

وفي المعنى نفسه قال سعيد بن جبير: "قال الله: فيهما اثم كبير لان في شرب الخمر والقمار، ترك الصلاة، وترك ذكر الله " (٤).

قلت: وقول السدي أولى بالتفسير، أي "زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظمُ الآثام، وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله" (٥). والله أعلم.

وقال القرطبي: " إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله، إلى غير ذلك" (٦) (٧).

وقال الراغب: " وأشار الله- عز وجل- بقوله: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} إلى تحريمه إشارة لطيفة تحتاج في كشفها إلى مقدمة، وهي أن النفع ضربان، ديني ودنيوي، والدنيوي ضربان، نفع ضروري، ونفع غير ضروري، فالضروري كالأكل والجماع اللذين لو تصورناهما مرتفعين لارتفع بارتفاع الجماع نوع الحيوان، وبارتفاع اجل أشخاص الحيوان، ونفع غير ضروري، كالتنقل بعد الأكل وترك التحلل بعده، والخمر نفعها دنيوي غير ضروري، فإن نفعها تقوية الأبدان المسنة، وهضم طعام والمعاونة على الباءة والزيادة في الرطوبة والحرارة الغريزيتين، وليس ذلك بضروري ولا متحقق النفع فيه، وفيهما إثم متحقق أو مظنون، والعقل يقتضي أن يتحاشى من الترام الإثم المظنون للنفع المتحقق الذي ليس بضروري، فكيف من النفع المظنون؟ ، ومن هذا الوجه صار الخمر فيما بين الأمم المتقدمة مترددة بين خمر، ودم، وإباحة، وحظر، وتركها عامة في العقول الراجحة لما أراد الله تبارك وتعالى تحريم الخمر على الناس لما رأى في


(١) الدر المصون: ٥/ ٣٠٦، واللباب: ٩/ ٩٧، ويروى عن ابن عباس والحسن البصري أنهما قالا: «الإثم: الخمر». قال الحسن: «وتصديق ذلك قوله: {قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٩]. [انظر: تنوير المقباس في تفسير ابن عباس: ١٢٦].
(٢) انظر: تفسير الطبري (٤١٣١): ص ٤/ ٣٢٥.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٤١٣٣): ص ٤/ ٣٢٥.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٦٠): ص ٢/ ٣٩١.
(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٦.
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٥.
(٧) قد ألف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرات المسكرات.
ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأرواح، وما ينشأ عنها من الخسران المالي، ومما قرره بعض الأطباء منهم هذه الجمل:
١ - إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده.٢ - إنها لا تفيد شيئاً في قضاء الأعمال.٣ - إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد.٤ - إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجر إلى الفقر والشقاء.٥ - هي من المسكنات كالبنج والإيثر.٦ - إنها تعد للأمراض المعدية.٧ - إنها تعد بنوع خاص للتدرن والسل.٨ - إنها تضر في ذات الرئة والحمى التيفودية أكثر مما تنفع.٩ - إنها تقرب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت، وتطيل مدة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة.١٠ - إنها تعد لضربة الشمس والرعن في أيام الحر.١١ - إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد.١٢ - إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.١٣ - إنها كثيراً ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرحة.١٤ - إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. ١٥ - إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم.١٦ - إن الامتناع عنها مما يقضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري.

<<  <  ج: ص:  >  >>