للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: ٩١] ثم قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: ٩٠] على ما يأتي بيانه في «المائدة» " (١).

وقد أنزل الله في الخمر أربع آيات (٢):

إحداها: آية تبيحه: وهي قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} [النحل: ٦٧]. نزلت بمكة " وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم" (٣).

والثانية: آية تعرض بالتحريم: وهي هذه الآية، " فشربها قوم وتركها آخرون" (٤).

والثالثة: آية تمنعه في وقت دون آخر، وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: ٤٣]، " فقل من شربها" (٥).

والرابعة: آية تمنعه دائماً مطلقاً: وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ... } [المائدة: ٩٠] الآيات.

قال القفال رحمه الله: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: {لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى} فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر" (٦).

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن ابن عمر يقول: "نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: {يسئلونك عن الخمر والميسر} الآية. فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله. قال: فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية: {لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى} فقيل: حرمت الخمر فقالوا يا رسول الله انا لا نشربها قرب الصلاة. فسكت عنهم. ثم نزلت: {يايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام} الآية، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم -: حرمت الخمر" (٧).

و{الْمَيْسِرُ}: من قولهم: يسَرَ لي هذا الأمر، إذا وجب لي، فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا، و «الياسر» الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر، : ياسرٌ ويَسَر، كما قال الشاعر (٨):

فَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ ... يُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا

وكما قال النابغة (٩):


(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٥٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦.
(٣) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.
(٤) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.
(٥) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.
(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٩٦.
(٧) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٦): ص ٢/ ٣٨٩، وأخرج ابن أبي حاتم عن انس بن مالك، قال: "كنا نشرب الخمر فانزلت: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير فقلنا نشرب منها ما ينفعنا فانزلت في المائدة: ٦ انما الخمر والميسر الاية. قالوا اللهم قد انتهينا، فارقناها إذ نودي: الا ان الخمر قد حرمت قال ثابت لانس: وما كان خمركم؟ قال: فضيخكم هذا". [تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٨): ص ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩].
(٨) ديوانه: ١٧، من قصيدة يذكر فيها فتوح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، سلف منها بيتان في ٢: ١٥٧. واقرأ التعليق هناك رقم: ٢. ولمعت الرايات: خفقت. وقوله: " يوجه الأرض " يعني جيش عمر، أي يقشر وجهها من شدة وطئه وكثرته وسرعة سيره، يشبهه بالسيل. يقال: " وجه المطر الأرض "، قشر وجهها وأثر فيه. وقوله: " يستاق الشجر "، يقول: جيشه كالسيل المنفجر المتدافع يقشر الأرض، ويختلع شجرها، ويسوقه.
(٩) لم أعرف قائله. والغبين والمغبون: الخاسر. واختلع (بالبناء للمجهول): أي قمر ماله وخسره، فاختلع منه، أي انتزع. والمخالع المقامر، والمخلوع: المقمور ماله. يقول: إنه بات ليلته حزينًا كاسفًا مطرقًا، إطراق المقامر الذي خسر كل شيء، فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقًا متحسرا على ما أصابه ونكبه.

<<  <  ج: ص:  >  >>