يسألك المسلمون -أيها النبي- عن حكم تعاطي الخمر شربًا وبيعًا وشراءً، والخمر كل مسكر خامر العقل وغطاه مشروبًا كان أو مأكولا ويسألونك عن حكم القمار -وهو أَخْذُ المال أو إعطاؤه بالمقامرة وهي المغالبات التي فيها عوض من الطرفين-، قل لهم: في ذلك أضرار ومفاسد كثيرة في الدين والدنيا، والعقول والأموال، وفيهما منافع للناس من جهة كسب الأموال وغيرها، وإثمهما أكبر من نفعهما؛ إذ يصدَّان عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويتلفان المال. وكان هذا تمهيدًا لتحريمهما. ويسألونك عن القَدْر الذي ينفقونه من أموالهم تبرعًا وصدقة، قل لهم: أنفقوا القَدْر الذي يزيد على حاجتكم. مثل ذلك البيان الواضح يبيِّن الله لكم الآيات وأحكام الشريعة؛ لكي تتفكروا فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين. وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه. والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيَّق وشقَّ عليكم بتحريم المخالطة. إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه.
وفي سبب نزولها، ثلاثة أقوال (١):
أحدهما: عن عمر -رضي الله عنه-؛ قال: اللهمَّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فإنها تذهب المال والعقل؛ فنزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} التي في سورة البقرة؛ فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في سورة النساء:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}[النساء: ٤٣]؛ فكان منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقام إلى صلاة نادى:"أن لا يقربن الصلاة سكران"؛ فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فقال: اللهمَ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر؛ فقرئت عليه، فلما بلغ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}[المائدة: ٩١]؛ قال عمر: انتهينا انتهينا" (٢). [صحيح]
(١) انظر: أسباب النزول: ٧١، والعجاب: ١/ ٥٤٥، وزاد المسير: ١/ ٢٣٩. (٢) أخرجه أبو داود (رقم ٣٦٧٠) -ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٨٥)، و"السنن الصغير" (٣/ ٣٢٧ رقم ٣٣٢٨) -، والترمذي (رقم ٣٠٤٩)، والنسائي (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧)، وأحمد (١/ ٥٣) -ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٣٨، ١٣٩) -، وابن أبي شيبة (٧/ ١١٢ رقم ٣٨٢٤) -مختصراً-، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٤٣)، والبيهقي في "المعرفة" (٦/ ٤٣٠ رقم ٥١٩٣)، والنحاس في "ناسخ القرآن" (ص ٤٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩ رقم ٢٠٤٤، ٣/ ٩٥٨ رقم ٥٣٥١)، وعلي بن المديني؛ كما في "مسند الفاروق" (٢/ ٥٦٧)، وأبو يعلى في "مسنده"؛ كما في "الدر المنثور" (١/ ٦٠٥) -ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١/ ٣٦٧، ٣٦٨ رقم ٢٥٦) -، والبزار في "مسنده" (١/ ٤٦٨ رقم ٣٣٤ - البحر الزخار) -مختصراً-، والدارقطني في "العلل" (٢/ ١٨٦)، و"الأفراد" (٢/ ٣٠ - أطراف الغرائب)، وابن جرير الطبريفي "جامع البيان" (١٢٥١٢): ص ١٠/ ٥٦٦، وأبو الشيخ؛ كما في "الدر المنثور" (١/ ٦٠٥) -ومن طريقه الواحدي في "الوسيط" (٢/ ٢٢٢، ٢٢٣) -، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ١٣٦ رقم ١٤٩٣) كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة عن عمر به. قال علي بن المديني؛ كما في "مسند الفاروق" (٢/ ٥٦٧) -: "هذا حديث كوفي صالح الإسناد". وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (١/ ٢٦٢ و ٢/ ٩٦١)، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٢٧٩): "قال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح، وصححه الترمذي". قلنا: وصححه الضياء المقدسي. قال الدارقطني في "العلل" (٢/ ١٨٤، ١٨٥): "رواه إسرائيل وزكريا بن أبي زائدة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عمر القصة بطولها، وذكر الآيات في تحريم الخمر، وخالفهم حمزة الزيات -وهو صدوق ربما وهم-؛ فرواه عن أبي إسحاق عن حارثه بن مضرب عن عمر حدثنا به- ثم ساقه بإسناده". قلنا: وكذا أخرجه الحاكم (٤/ ١٤٣) من طريق حمزة. "وقال إسحاق بن منصور -السلولي- عن إسرائيل [أخرجه الطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٣٩ رقم ١٤٩٤)] والفريابي عن الثوري وقيس -وهو ابن الربيع، وهو صدوق تغير لما كبر؛ أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه؛ فحدث به- عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن عمر. والصواب قول من قال: عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر، والله أعلم". اهـ. قلنا: في هذا الحديث اختلاف كما قال الدارقطني. رواه خلف بن الوليد وإسماعيل بن جعفر والفريابي وعبيد الله بن موسى ووكيع خمستهم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر. وخالفهم إسحاق بن منصور -وهو صدوق- فقال: عن أبي إسحاق عن عمرو الأودي عن عمر. والصواب: رواية الجماعة؛ أما الثوري؛ فروي عنه على الوجهين، والذي رواه عنه على الوجه الآخر -رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون- هو الفريابي، وفيه قال الحافظ (٢/ ٢٢١): "ثقة فاضل، يقال: أخطأ في شيء من حديث سفيان". قلنا: لعل هذا منها. أما رواية قيس؛ فهي ضعيفة، ولا تصح؛ لمخالفتها لرواية الجماعة، والله أعلم. قلنا: أما ابن كثير -رحمه الله-؛ فقد وهم حينما ذكر عن الترمذي تصحيحه للحديث؛ ذلك أن الترمذي قال عقب روايته للحديث: "وقد روي عن إسرائيل مرسلاً؛ حدثنا. . . ثم قال: وهذا أصح". والحديث صححه الألباني -رحمه الله-، والشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على المسند (رقم ٣٧٨). وقد أعله قوم بأن أبا ميسرة الراوي عنه لم يسمع منه؛ كما قال أبو زرعة في "المراسيل" (رقم ١٤٣) -ونقله عنه العلائي في "جامع التحصيل" (رقم ٥٧١) -. قلنا: وهذا ليس بشيء؛ فقد صرح البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ رقم ٣٥٧٦) أنه سمع منه ومن ابن مسعود، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي. والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٦٠٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.