للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن السدى: "ثم رجع إلى اصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فغفر لهم فقال: {ان الذين امنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} " (١).

وقد يقول قائل: "ما محل ذكر اسم الله «الغفور» هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟

الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثاً بعد السلام؛ وأما ذكر «الرحيم» فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته؛ وسبق الكلام على هذين الاسمين الكريمين" (٢).

قال الراغب: "ونهى عن تضييع الشهر الحرام والمسجد الحرام، وعن تهييج الفتنة نبه على فضل من هاجر وجاهد في سبيل الله محافظة على ذلك، فمن المفسرين من حمل المهاجرة على مهاجرة الأهل والولد، كهجرة النبي- عليه السلام- وأصحابه والمجاهدة على الغزو، ومنهم من قال: عنى ذلك هجران الشهوات، ومجاهدة الهوى ... وهذه المنازل الثلاث التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} ولا سبيل إلي المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى الجهاد في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلي ذلك فحق له أن يرجو رحمته" (٣).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، والهجرة؛ لقوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} الآية.

٢ - ومنها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة؛ لأنه جعل الجهاد معطوفاً على الهجرة؛ ولم يجعل له اسماً موصولاً مستقلاً.

٣ - ومنها: مراعاة الإخلاص في الهجرة، والجهاد؛ لقوله تعالى: {في سبيل الله}؛ وأما بدون الإخلاص فهجرته إلى ما هاجر إليه؛ واعلم أنه يقال: في كذا؛ ولكذا؛ وبكذا؛ تقول مثلاً: جاهدت لله؛ وجاهدت بالله؛ وجاهدت في الله؛ فـ «لله»: اللام لبيان القصد؛ فتدل على الإخلاص؛ و «بالله»: الباء للاستعانة؛ فتدل على أنك جاهدت مستعيناً بالله؛ و «في الله»: «في» للظرفية؛ فتدل على أن ذلك الجهاد على وفق شرع الله - لم يتعد فيه الحدود -.

٤ - ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازماً بقبول عمله؛ بل يكون راجياً؛ ولكنه يرجو رجاءً يصل به إلى حسن الظن بالله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: {أولئك يرجون رحمة الله}؛ لأنهم لا يغترون بأعمالهم؛ ولا يُدْلُون بها على الله؛ وإنما يفعلونها وهم راجون رحمة الله.

٥ - ومنها: إثبات اسمي «الغفور»، و «الرحيم» لله عزّ وجلّ؛ وإثبات ما دلَّا عليه من المغفرة والرحمة؛ وما يترتب على ذلك من غفران الذنوب والرحمة؛ فبالمغفرة يزول المكروه من آثار الذنوب؛ وبالرحمة يحصل المطلوب.

٦ - ومنها: كمال رحمة الله بالخلق؛ فلله على العامل عملاً صالحاً ثلاث نعم عظيمة:

الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح؛ وذلك بما أنزله من الوحي على رسله؛ بل هي أعظم النعم.

الثانية: توفيقه لهذا العمل الصالح؛ لأن الله قد أضل أمماً عن العمل الصالح.

الثالثة: ثوابه على هذا العمل الصالح ثواباً مضاعفاً: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.


(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٤٣): ص ٢/ ٣٨٨.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٦٤ - ٦٥.
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>