قال القاسمي: " وهو أبعد، لأن الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ، ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة" (١).
واعترض النحاس فقال: " لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عزّ وجلّ ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله عزّ وجلّ على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن»، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] (٢):
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما " (٣).
والخامس: وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام، تقديره: أجائز قتال فيه؟
قال النحاس: "فأمّا (قتالٌ فيه) (٤) بالرفع، فغامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه" (٥).
قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٧]، أي: قل لهم: " القتال فيه أمر كبير مستنكر " (٦).
قال الصابوني: أي: "قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر" (٧).
قال الراغب: " إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشروط النكرة المذكورة إدا أعيد ذكرها أن يُعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل، والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي- عليه السلام- لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، وقد قال: " أحلت لي ساعة من نهار) " (٨).
قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: ٢١٧]، أي: " ومنع المؤمنين عن دين الله" (٩).
قال القاسمي: أي: "عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: سمى الحج: سبيل الله" (١٠).
وقوله تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}: جملة استئنافية لبيان أن ما فعله هؤلاء الكفار من الصد عن سبيل الله، والكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله؛ فهذه أربعة أشياء يفعلها المشركون الذين اعترضوا على القتال في الشهر الحرام أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام؛ و {صد} يجوز أن
(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٣.
(٢) الشاهد لعبدة بن الطبيب في ديوانه ٨٨، والأغاني ١٤/ ٧٨، ٢١/ ٢٩، وخزانة الأدب ٥/ ٢٠٤، وديوان المعاني ٢/ ١٧٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٩٢، وشرح المفصل ٣/ ٦٥، والشعر والشعراء ٢/ ٧٣٢، والكتاب ١/ ٢٠٨، ولمرداس بن عبدة في الأغاني ١٤/ ٨٦.
(٣) إعراب القرآن: ١/ ١٠٩.
(٤) قرأ بها الأعرج، انظر: فتح القدير: ١/ ٢١٨.
(٥) إعراب القرآن: ١/ ١١٠.
(٦) فتح القدير: ١/ ٢١٨
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٢.
(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٧.
(٩) صفوة التفاسير: ٣٨٢ - ٣٨٣.
(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠