للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يصح أن يفيد أن الغرض في السؤال عن القتال لا لتعظيم الشهر، بل لشيء آخر، وعلى هذا إذا قيل: " سُرق زيد ثوبه " تنبيها أن المقصد أن يذكر حال زيد، لا أن يخبر بسرقة ثوب ما" (١).

واختلف في اعراب {قِتَالٍ}، في قوله تعالى: {قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: ٢١٧]، وفيه وجوه (٢):

أحدها: أنه بدل الاشتمال من (الشهر)، لأن القتال يقع في الشهر. قاله الزجاج (٣)، الواحدي (٤)، والزمخشري (٥)، وغيرهم.

ومثله قوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ} [البروج: ٤ - ٥]، ومنه قول الأعشى (٦):

لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ... تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم

ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال (٧).

والثاني: أنه مخفوض على التكرير، والتقدير: عن قتالٍ فيه، قاله الكسائي، وهو معنى قول الفراء: مخفوض بـ (عن) مضمرة.

وكذلك هو في قراءة: ابن مسعود والربيع (٨).

قال القاسمي: " وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار" (٩).

والثالث: وقيل: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، وتم الكلام عند قوله: {قتال فيه كبير}.

ثم ابتدأ فقال: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} مرتفع بالعطف على الابتداء، وخبره قوله تعالى: {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ}، قاله الزجاج (١٠)، ووافقه الواحدي (١١).

والرابع: أنه مجرور على الجوار. قاله أبو عبيدة (١٢).


(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٧.
(٢) انظر: معاني القرآن" للفراء ١/ ١٤١، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٠٧، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٢٧، "التبيان" ص ١٣٢، "البحر المحيط" ١/ ١٤٥، ومحاسن التأويل: ٢/ ٨٩ - ٩٠.
(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٨٩.
(٤) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٨.
(٥) انظر: الكشاف: ١/ ٢٥٨.
(٦) ديوانه" ص ١٧٧. "الكامل" للمبرد ٢/ ٢٦٥، وابن يعيش في "تفسيره" ١/ ٣٨٦، "شواهد المغني" ٢٩٧.
قوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء. ينظر: "شرح الديوان"، "مجاز القرآن"، "المعجم المفصل" ٧/ ١١٧.
(٧) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٨.
(٨) وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٤١، "المصاحف" لابن أبي داود ٥٨، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٧٦٧، "البحر المحيط" ٢/ ١٤٥.
(٩) محاسن التأويل: ٢/ ١٠٣.
(١٠) معاني القرآن: ١/ ٢٨٩. هذا قول الزجاج في ارتفاع (الصد).
وقد وذكر الفراء في ارتفاع الصَّدِّ وجهين آخرين، غُلِّطَ فيهما:
أحدهما: أنه عطف على قوله: {كَبِيرٌ} يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا بالله، وهو خطأ بإجماع من الأمة.
والوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة {كَبِيرٌ} المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ}؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ}، وإخراج أهله منه لا يكون أكبر عند الله من الكفر به، ومن قال: إنه أكبر فهو غالط بالإجماع ". قاله الواحدي [انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٩ - ١٤٠].
(١١) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ١٣٩.
(١٢) انظر: مجاز القرآن: ١/ ٧٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>